الهجرة النبوية الشريفة في السينما

كمال القاضي..
من دواعي اللوم على المُنتجين والمُخرجين وصُناع السينما، أن حدثاً تاريخياً جللاً مثل هجرة الرسول من مكة إلى المدينة، لم يشغل حيّزاً يليق به على المستوى الدرامي والوثائقي، سواء بشكل ضمني في الأفلام القليلة التي تناولت تفاصيل الدعوة الإسلامية، أو الشخصيات، أو الغزوات، أو الملاحم أو غيرها من الأفلام الأقل، التي ركزت ضمن أحداثها على الهجرة بوصفها نقطة مفصلية ومحورية للغاية في التاريخ الإسلامي.
فمن بين العناوين المعروفة والمُباشرة للأفلام الدينية كـ«فجر الإسلام» و«انتصار الإسلام» و«ظهور الإسلام» و«عظماء الإسلام» لم نلحظ خصوصية ما لحدث الهجرة في تناول فردي بعنوان مُستقل، إلا في فيلم واحد فقط هو «هجرة الرسول» بطولة ماجدة وإيهاب نافع، المأخوذ عن قصة حسين حلمي المهندس وإخراج إبراهيم عمارة، والمُنتج في عام 1964.
فالرؤية المُستقلة للهجرة تكاد تكون هي الوحيدة الخاصة بالحدث في حد ذاته، مع بعض المكونات الدرامية الأخرى المُدمجة في الفيلم من باب التأثير كقصة إسلام البطلة حبيبة وتعذيبها من قبل المُشركين وفقدانها البصر على أثر التعذيب القاسي والمؤلم، وهذه الشخصية بتفاصيلها الإنسانية المُشوقة قامت بتجسيدها الفنانة ماجدة، حيث نجحت في تقمص شخصية المكفوفة ببراعة، فأضافت لرصيدها السينمائي دوراً نوعياً فارقاً وجديداً.
إلى هنا ظلت هجرة الرسول “صلى الله عليه وآله”، فاصلاً مهماً في مُعظم الأفلام، لكن بشكل ضمني مُظفر بعناية داخل الأحداث، ففي العينات المذكورة سلفاً وهي المباشرة في عناوينها ومضامينها وسياقاتها، ورد حادث الهجرة عابراً ضمن محطات رئيسة أخرى اعتنى كُتاب السيناريو بتسجيلها بوصفها من أسس البناء الدرامي في تصوير ملاحم الجهاد، في سبيل انتشار الدعوة الإسلامية وترسيخها على وفق العقيدة الإيمانية التي اعتنقها المسلمون وبذلوا في سبيلها الغالي والنفيس. غير أنه في الأفلام الأخرى التي اقتربت من المفهوم نفسه وطرحت بعض القصص ذات الصلة، تبنت السينما المصرية عبر مراحلها وسنوات انشغالها بالقضايا الدينية والتاريخية عناوين مُختلفة بمسميات مغايرة كفيلم «الشيماء» للكاتب علي أحمد باكثير والسيناريست صبري موسى، فقد مثل هذا الفيلم للمخرج حسام الدين مصطفى تبايناً كبيراً من حيث الرؤية الموضوعية للحدث الديني التاريخي، لاسيما في قصة الشيماء أخت الرسول في الرضاعة، فقد عرض للصورة الذهنية المُتخيلة عن شخصية الشيماء، وحاول استغلال ما روُي عن حلاوة صوتها الغنائي في مساحات درامية واسعة، بغرض الاستثمار الجماهيري لصوت المطربة الكبيرة سُعاد محمد، مع تدريب البطلة سميرة أحمد على تقمص حالة المُغنية لإقناع المُشاهد بفكرة المُعايشة الكاملة للشخصية.
كما طرح المخرج السوري مصطفى العقاد في فيلمه التاريخي الديني «الرسالة» عدة مفاهيم حول الدرس المُستفاد من الهجرة النبوية، كان على رأسها مفهوم ابتعاد المُسلمين عن موطن الخطر، والمواجهة غير المُتكافئة مع المُشركين، بشكل مؤقت لحين تنظيم صفوفهم وإعداد العُدة وتقوية شوكتهم، وهو ما تم بالفعل في جو من الاستقرار داخل المدينة بعد الهجرة من مكة. وعلى الرغم من أن الفيلم لم يُقدم حدث الهجرة في سياق مُنفصل، إلا أنه أولاه أهمية خاصة، كونه يُمثل مرحلة بالغة الخطورة من حيث الاستعداد والتخطيط الاستراتيجي للحروب المُقبلة حينئذ، والانتصار المنشود من ورائها لتحقيق الغاية الأسمى، وهي العودة إلى مكة وحج بيت الله الحرام في الموعد المُناسب بعد اكتمال عناصر القوة والتأكد من قُدرة المُسلمين على فرض نفوذهم وشروطهم بما يضمن لهم السيادة في موطنهم الأصلي.



