بغداد والغبار والزمن الأغبر

بقلم منهل عبد الأمير المرشدي..
منذ أكثر من شهر تضرب العواصف الترابية محافظات عديدة من العراق انطلاقا من الأنبار ومرورا بالعاصمة بغداد وانتهاءً بمحافظات الوسط والجنوب . لا نريد أن نختزل هذه العواصف والغبار الأحمر الذي اقتحم غرف النوم وموائد الطعام وصالونات الاستقبال بظاهرة التصحر التي تصيب العراق بعدما غفل القائمون على الأمر في البلاد وتغافلوا عن زرع حزام أخضر من الغابات التي تحيط بالمناطق الغربية والجنوبية من المناطق التي تربطنا جغرافيا بالأراضي السعودية التي لم يأتنا منها غير الضيم والرعب والغبار والتراب . نعم فقد تاه المسؤولون في حضيض النفس الأمارة بالسوء وسحت الدنيا الدنية . لكن علينا أن نلتفت الى رأي آخر يكاد يتفق عليه الكثير من أهل العقل والبصيرة بأن ما يصيب العراق من التصحر والجفاف وانحسار عوامل الخير والجوع والفقر ما هي إلا رسائل السماء ورسل الإنذار الإلهي للقوم . لقد أنعم الله على العراق بما لم ينعم بمثله على غيره من أنهار وخصوبة وثروات ومثابات مقدسة لمراقد آل البيت والأولياء والصالحين حتى على مستوى العقل والفطنة والذكاء فللعراقيين الكعب الأعلى على مر التأريخ في الكفاءات العلمية ورواد البلاغة والحكمة والإبداع .
لم يعد فيه الحال ذاك الحال وتغيرت به الأحوال . تآكلت جدران الحياء في قلوب الكثير من الناس وتطاولت أركان السفاهة والانحطاط في نفوسهم فلم يعد العيب عيبا ولا الفسق فسقا واختلطت عندنا الأوراق حتى أمسى الانحلال تطورا والسفاهة ثقافة والرذيلة انفتاحا والفساد شطارة والمنكر معروفا والمعروف منكرا . صرنا نسمع ألفاظا نابية من شبابنا فيما بينهم على أنها لغة الحوار وحين أقول شبابنا فأنا أقصد وللأسف من كلا الجنسين . نعم ما لم يكن متوقعا حتى في أحلام الغافلين والكوابيس أمسى مألوفا لدينا . مفردات يستحيي منها حتى الشيطان لم يعد يستحيي منها الكثير من أبنائنا ، انحلال وتفسخ وميوعة وسقوط وضياع . شباب لم يعد فيهم شيء يدل على ذات بشرية سليمة أو ما يوحي بذرّة خير أو أمل يرتجى منها . شباب لا تمت للدين بصلة أو للمعتقد أو للوطن أو ما يشير على أن له أبا أو أما أو عائلة ! أين أنتم أيها الآباء ؟ أين أنتنَّ أيتها الأمهات ؟؟ أين أنتم يا شيوخ ومشايخ وأساتذة ومدارس . أما فيكم من ينتفض لنفسه على نفسه ويسأل أبناءه عن شذوذ ما يلبسون أو يفعلون أو يملكون . ألا يستفز عقولكم وغيرتكم ونوماس شرفكم ما يقوم به البعض من أبنائكم أو بناتكم أو ما يرتدون أو يفعلون ؟ أين أنتم من أنفسكم ومسؤوليتكم أمام الله والقانون والعشيرة والمجتمع ؟؟ .هل هذا هو مضمون الدولة المدنية عند المتمدنين ؟ هل هذه هي أركان العلمانية عن المتعلمنين ؟ هل هذا هو مصداق فصل الدين عن الدولة ؟ هل هذا هو التطور عند المتطورين ؟ أو هو مفهوم الثقافة عند المستثقفين؟ ما لكم كيف تحكمون . هل صار أكل الحرام معتادا وقد حللتم ما حرّم الله ؟ ربما هو الغبار الأحمر رسائل اليكم كي تصحوا من غفلتكم العميقة وتنتبهوا من سكرتكم الأعمق قبل أن يحل عليكم الغضب الأكبر وبعض الآيات القرآنية لا تحتاج الى تفسير المجتهدين فقد قال تعالى ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) . ولا تعتقدوا أن ذلك ببعيد على الله وهو القائل ( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ) ونذكركم أخيرا عسى أن تنفع الذكرى أن الله عزّوجل هو الذي قال ( إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) . عودوا الى الله وتذكرّوه واذكروه كثيرا ولا تنسوا الله فينساكم .. اللهم اشهد إني قد بلّغت .



