الأبعاد الاستراتيجيَّة للتحالف العربي الصهيوني لمواجهة المسيّرات

بقلم/أيمن الرفاتي..
مؤخّراً، كشفت القناة 12 الإسرائيلية أنّ “إسرائيل” تبلور “تحالفاً دفاعياً” – وفق وصفها – يهدف إلى رصد الطائرات المُسيّرة الانتحارية وإسقاطها، إذ قال مراسل القناة للشؤون العسكرية، نير دفوري، إنَّ الحاجة إلى هذا التحالف طرأت بعد استهداف الإمارات والسعودية، وتهديد “أنصار الله” باستهداف “إسرائيل” بها، لكنَّه استدرك أنه لا يُسمح في الوقت الحالي بكشف أسماء الدول الشريكة في هذا التحالف.
وأضاف دفوري أنَّ “إسرائيل شخَّصت هذه التهديدات، وشرعت في بلورة تحالف مع جارتها القريبة – البعيدة”، مبيناً أنَّه في حال تم إبرام الاتفاق، فستستطيع أيّ دولة ترصد طائرة مسيرة أن تبلغ الدول المستهدفة وتقدّم العون لها في إسقاطها.
ما فعله اليمنيون الشهر الماضي في الإمارات والسعودية، وما فعله حزب الله بـ”إسرائيل” عبر الطائرة “حسان”، وقبلها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، كان في غاية الخطورة، وفق وجهة نظر “إسرائيل”، الَّتي باتت تخشى بعد طائرات لبنان وغزة أن تصل الطائرات المسيرة اليمنية إلى مناطق جنوب فلسطين المحتلة وتنفّذ مهامها الدقيقة والسريعة، بما يزيد مشكلة العمق الاستراتيجي للكيان.
وتعاني “إسرائيل” من مشكلة العمق الاستراتيجي بشكل مزمن منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية. على مدار عقود، حاولت إيجاد حلول عبر تطوير قدرات غير مألوفة لتدمير أعداد كبيرة من الأهداف المتنقلة والثابتة في مديات كبيرة، وبدقة عالية، كحلٍّ مسبق عبر سلاح الجو والصواريخ الموجهة والدقيقة، وبهدف نقل المعركة إلى “أرض العدو”، إلا أنَّ المتغير الكبير الذي طرأ على شكل المعركة مؤخراً، أعاد “إسرائيل” إلى نقطة الصفر، لتعيد التفكير في محاولة إيجاد حلول لهذه المعضلة عبر تطوير القدرات الدفاعية، وخصوصاً القبة الحديدية، وأخيراً منظومة الاعتراض الليزرية.
الجهود الجديدة توَّجتها “إسرائيل” بمحاولة الاستعداد المسبق للطائرات المسيّرة، عبر تسخير الدّول المجاورة كمناطق رصد لها عبر حلف جديد تسعى لبلورته، بذريعة أنَّ أعداء الأنظمة العربيّة المطبّعة هم أعداء “إسرائيل”، وأنَّ هذا التحالف هو أحد استحقاقات عملية التطبيع التي انطلقت قبل عامين.
إنّ الطائرة المسيّرة “حسان” استهدفت الثغرة الأكبر في نقاط الضعف الاستراتيجية لـ”إسرائيل”، وهي مشكلة العمق الجغرافي الاستراتيجي. لهذا، يرى العدو أنَّ طائرة مسيّرة تنقل المعركة إلى داخل فلسطين المحتلة تمثّل معضلة حقيقية، لأنها تضاعف المخاطر الأمنية، وتعطي تشكيلات محور المقاومة قدرة التأثير في الحياة والاقتصاد، ما يشكّل معضلة أمنية واقتصادية مركبة.
الخرق الاستراتيجي الَّذي حقَّقته المقاومة خلال السنوات الأخيرة، والذي ازداد اتساعاً مع الطلعات الناجحة للطائرات المسيّرة، وآخرها الطائرة “حسان”، والخشية من الطائرات القادمة من اليمن، دفع “إسرائيل” إلى التّفكير في حلول جديدة، وآخرها إقامة حلف مع الدول العربية لمواجهة خطر المسيّرات، من خلال تنسيق ميدانيّ وعملياتيّ يبلغ عن الطائرات قبل وصولها إلى حدود فلسطين المحتلة.
المستهدف من التحالف الجديد هذه المرة هو حركة “أنصار الله” اليمنية وفصائل الحشد الشعبي في العراق، إذ تمثل طائراتهم المسيّرة تهديداً كبيراً لأماكن في غاية الحساسية، وخصوصاً الطائرات اليمنية، التي يمكنها الوصول إلى منطقة ميناء إيلات أسفل فلسطين المحتلة، ومطار رامون البديل من مطارات الوسط والشمال، والمطارات العسكرية، بواقع اختراق جغرافي سريع.
الخطر الذي تمثله الطائرات اليمانية التي يمكن أن تضرب مناطق أسفل فلسطين هو عدم قدرة العدو على رصد ما هو آتٍ من البحر الأحمر أو من الحدود السعودية، نظراً إلى ضيق الجغرافيا، ما يعني فشلاً محتّماً في إمكانيّة اعتراض هذه الطائرات وتحقيق مطلقيها أهدافهم بدقة عالية.
التحالف الجديد يمكن أن يضمّ الإمارات والبحرين والسعودية والأردن، وربما السودان المطبع الجديد مع “إسرائيل”، وهو تنفيذ حقيقي لهدف الأخيرة من مخطط التطبيع الهادف إلى تحويل الدول العربية المحيطة بها من دول معادية تعمل على التخلّص منها إلى دولة ترتبط مصالحها بها، وتصل إلى مرحلة الدفاع عنها وعن وجودها في المنطقة.
فعلياً، هذا التحالف الجديد تحدث عنه الباحث في مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي يوآل غوجنسكي، عندما فسَّر العلاقة بين “إسرائيل” والدول المطبّعة بأنها “تحمل أهدافاً على المستوى الاستخباري العملياتي، يهدف إلى إحباط التهديدات والتعامل معها”، وهو ما ستطبقه الدول المطبعة للاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية، وخصوصاً في مجال اعتراض الصواريخ والطائرات، مقابل أن تكون راصداً مسبقاً لأيِّ محاولة استهداف لـ”إسرائيل”. وبتبسيط أكبر، يمكن القول إنَّ “إسرائيل” تستخدم الدول المطبعة كأدوات لحمايتها في مواجهة محور المقاومة.



