صلاح القصب.. مبتكر مسرح الصورة ومعلم الأجيال الكبير

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
شهدت كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، مراسم تشييع المسرحي العراقي والعربي الدكتور صلاح القصب، أحد أبرز أعمدة المسرح العراقي والعربي، وسط حضورٍ رسميٍ وأكاديميٍ وثقافيٍ وفنيٍ وشعبيٍ كبير، جاء تعبيراً عن المكانة الرفيعة التي حظي بها الراحل، في المشهد المسرحي والثقافي.
وجرى تشييع الراحل من كلية الفنون الجميلة، التي ارتبط بها أكاديمياً وفنياً، لسنواتٍ طوال، بوصفه أستاذاً وتدريسياً في قسم الفنون المسرحية، أسهم من خلال مسيرته الأكاديمية، بتعليم وتدريب وتخريج أجيالٍ عديدة، من طلبة المسرح والفنانين، ممن كان لهم حضورهم وإسهاماتهم، في الساحة الفنية العراقية والعربية.
وشارك في مراسم التشييع، عميد كلية الفنون الجميلة، الدكتور مضاد عجيل الأسدي، الذي كان قد نعى الراحل في بيان رسمي نشرته الكلية، أمس الأحد، مُستذكراً مسيرته الإبداعية والفكرية، وإسهاماته الكبيرة، بتطوير الحركة المسرحية العراقية والعربية، وما تركه من أثرٍ بارز، في أجيال المسرحيين والفنانين.
وجرت مراسم التشييع، بالتنسيق بين كلية الفنون الجميلة، ونقابة الفنانين العراقيين، في مشهد يليق بمكانة أحد أبرز رموز المسرح العراقي، وبمُشاركة واسعة من الأكاديميين والفنانين والمثقفين، وطلبة الكلية، ومُحبي الراحل، الذين حضروا لتوديعه، واستذكار مُنجزه الفني والإنساني.
وتخللت التشييع، مراسم رسمية، تم خلالها حمل جثمان الراحل من قبل حرس الشرف، فيما عُزفت الموسيقى الرسمية، بمشهدٍ مُهيب جسّد التقدير الكبير، الذي تحظّى به شخصية الدكتور صلاح القصب، ومكانته في تأريخ المسرح العراقي والعربي.
وبهذا الوداع المُهيب، أسدلت كلية الفنون الجميلة، ونقابة الفنانين العراقيين، الستار على مراسم تشييع، أحد أبرز رجالات المسرح، فيما يبقى إرثه الإبداعي والأكاديمي، وتجربته المسرحية، حاضرة في ذاكرة الأجيال، شاهدةً على مسيرة فنية وفكرية، ستظل جزءاً مُهماً من تأريخ المسرح العراقي والعربي.
وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بدأ القصب في تأسيس وترسيخ ملامح «مسرح الصورة» في العراق، وهو الاتجاه الذي أصبح العلامة الأبرز في تجربته. فقد تعامل مع الخشبة باعتبارها فضاءً بصريًا لا تقتصر فيه الدلالة على الحوار والنص، بل تتشكل من تفاعل الصورة والحركة والضوء والفضاء والإيقاع، في بناء مسرحي يستند إلى الشعر والفلسفة بقدر استناده إلى الفعل الدرامي.
لم يكن التجريب عند القصب مجرد خروج على المألوف من أجل الاختلاف، بل كان بحثًا عن لغة مسرحية أخرى، تجعل الصورة قادرة على حمل المعنى والتعبير عنه، وتمنح المتلقي دورًا في تأويل ما يراه على الخشبة. ولهذا اتسمت عروضه بالتمرد وكسر القوالب التقليدية، وبنزوع واضح نحو بناء عوالم مسرحية ذات طابع بصري وشعري.
بدأت تجربة صلاح القصب في مسرح الصورة بالعراق، بعرض “هاملت”، الذي قدّمه في كلية الفنون الجميلة ببغداد عام 1980. وكان قد اطلع على هذا الشكل المسرحي خلال دراسته العليا في رومانيا، وحين عاد إلى بغداد بدا متحمساً لتطبيقه والتنظير له.
تقوم بُنية الخطاب المسرحي في مسرح الصورة، كما فصّلها القصب في ذلك البحث، على شبكة من التكوينات الجسدية، والأشكال الحركية والإيمائية والسينوغرافية المركبة، الغامضة، المصمّمة وفق علاقات إيحائية متغيرة، وتصاحبها إيقاعات صوتية بشرية مختلفة، كالتمتمات والصرخات والتأوهات والهمهمات. وقد تستغني هذه البنية عن الحوار استغناءً تاماً أو تكتفي بالقليل الجوهري منه لإعلاء الجانب البصري في العرض.
ووفق الكاتب والناقد العراقي عواد علي فإن تجربة القصب المتفردة في مسرح الصورة، تركت أثراً كبيراً على جيل من المخرجين الموهوبين في العراق، وبعض الدول العربية، وحفّزته وحرّضته على إنتاج خطاب مسرحي بصري يقوم على بنى مشهدية، في التشكيل الحركي، والأداء الجسدي.
وقد تجلت رؤيته هذه وترسخت في عدد من العروض التي أصبحت جزءًا من تجربته المسرحية، من بينها «الخليقة البابلية»، و«طائر البحر»، و«الملك لير»، و«الخال فانيا»، و«أحزان مهرج السيرك»، و«العاصفة»، و«حفلة الماس»، و«عزلة في الكريستال».
ومن خلال هذه الأعمال، اشتغل القصب على إعادة قراءة نصوص وشخصيات مسرحية معروفة من خلال منظور بصري وتجريبي، محاولًا تفكيك العلاقة التقليدية بين النص والعرض، وإعادة بناء المشهد وفق ما سماه «كيمياء الصورة وفلسفتها».
وقد جعل هذا التوجه تجربته جزءًا من حركة أوسع في المسرح العربي سعت إلى تحرير العرض من هيمنة النص، ومنحه استقلالية جمالية تقوم على الصورة بوصفها عنصرًا منتجًا للمعنى، لا مجرد إطار بصري للأحداث.
لم تقتصر تجربة القصب على الإخراج، إذ ترك عددًا من المؤلفات التي رفدت المكتبة المسرحية بأفكاره النظرية وتأملاته في التجريب ومسرح الصورة، من بينها «مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق»، و«التجريب في المسرح الصوري»، و«فلسفة الكوانتوم في مسرح الصورة»، و«مذكرات رحلة الرجل صاحب المظلة السوداء».



