ثقافية

الترابط بين الشعر والتشكيل في لوحات محمد نصر الله   

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد  مؤيد داود البصام أن الفنان التشكيلي محمد نصر الله يجيد التلاعب في الرؤية البصرية،ليشكل البناء الرئيسي في تشكيل لوحته، ما أن تنظر إلى أعماله حتي تحس أنك في حلم، ارض بكر وشواطئ أحلام.   

وقال البصام في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي” نقف امام اعمال الفنان محمد نصر الله لنجد ان التلاعب في الرؤية البصرية، يشكل البناء الرئيس في تشكيل لوحته، ما أن تنظر إلى أعماله حتي تحس أنك في حلم، ارض بكر وشواطئ أحلام، وعالم غريب لا تعرف هل انت تنتمي اليه، او هو الذي يجرك للانتماء إليه ؟، خروج على المزاوجة بين الروح والجسد، يصاحبك هذا الاحساس من لوحة إلى أخرى، ويجرك إلى الصدمة حينما يتحول التأمل والسكون اإلى حركة في البحث الذهني لاكتشاف عالم مغاير، لا تجد صورتك فيه، ولكنك تجد عالماً تستكشفه من جديد في داخلك، أنه عالم من التحولات البصرية التي تحدثها الرؤية المغايرة في لوحات نصر الله، مثل تحولات القصيدة بتمثلاتها التجريدية، تهويمات رؤية تحاول أن تحدث فيك الهزة ليتبعها التأمل لحالة الرؤية المتخيلة لواقع غير مرئي.

وأضاف: أن الترابط بين الشعر والتشكيل، عالم لامرئي، أفكارمجرده، تتشكل الحروف في العقل المجرد بقصائد مرئية بصريا لرؤيا مجردة، وتجمح فيها الرؤية بخيال شعري، هو نفس التشكيل الذي يحمله لك الحلم الرمزي في اللوحة او السريالي او التجريدي، قصائد مكتوبة بالفرشاة والالوان،قصائد محمد نصر الله المرسومة بالزيت والاكريليك، يتساوق الرفد احدها بالآخر، بالرؤيا في كشف مساحات التقاطع، بين النص البصري والنص الشعري، والمعطيات التعبيرية، في كشف هذا الفرق في التقاطع بين تجريدية اللغة والمعطيات البصرية علي سطح اللوحة، وفي فضائها، ويأتي الحلم الذي يتساوق في المخيلة، بتعابير تحملك علي الاسترسال في التخييل، طائر أم فزاعة، أو لعبة أطفال من خشب، تنساب بتلقائية مع الفضاء على ظهر اللوحة، تحيا في داخل اللوحة كعالم أنغرز بلا وعي في الرؤيا، واحال وجوده إلى رؤية واقعية، كانه في لحظة تحول من أرض الي أرض بحلمية، تتعامد مع الروح بلحظة تعبيرية، انها عملية الانزياح، واحلال الرمز، الذي يفسره (بيرس)، (إشارة وموضوع ومعني)، وهو البعد الذي تتحرك به اللوحة لتكشف عن مضمونها.

وتابع : يعالج نصر الله في لوحته هذا البعد الرومانسي الذي يكتنف الرؤية ، بروحية بناء اللوحة بناءاً شعرياً، يلتحم فيها الواقع والمخيال، باتحاد لا عضوي مع الطبيعة، من أجل أنجاز الصورة الواقعية، ولكن الاساس الهروب نحو الحلم الذي يراود كل انسان، فهل بالأمكان تحقيقه ؟ وهو بهذا يخلط بين الحلم والاسطورة والواقع، لخلق رؤية حلمية.

واشار الى ان اتخاذ الرسام اللون الازرق الشفاف بلون السماء وزرقة البحر في هدوئهما، يحيل هذا السكون من متحول خارجي الي بعد غير مشروط في الداخل، انه يمسك التطابق بين الفكرة، الرؤيا، وبين الاحساس الواقعي بالأشياء، الرؤية الواقعية في تلامس شفاف بإيجاد اللون الذي يتناسب مع انسيابية الفكرة وموسيقية حركة الخطوط، وحتي في معاملته للوحة باللون البني، فانه يحيل التأمل إلى سؤال، ويحرك السكون للبحث في نقطة التأمل، ليس حراكاً كتلوياً للجسد، انما حراكاً فكرياً ينبثق من لحظة التأمل ويتواصل معها، .

وواصل: تستشعر الغربة والوحشة لعالم فيه الاشكال مزروعة او متروكة في موقعها، لا أحد هناك، عالم من الغربة والوحدة الموحشة التي تتأمل الذات من الداخل، تتمثل في هذه الالوان الحارة والفراغ غير المحدود، لصحراء وأرض من تراب وهواء، قطع لأشخاص أو حيوانات أو طيور مزروعة في الارض، مهجورة تنتظر المجهول، هذا الاقتصاد في اللون، يحسب عملياً بدقة في ذهن الفنان.

واوضح : أنه يحصر العلاقة بينه وبين الطبيعة ضمن أفق يتصوره ويتخيله، لوجود تترسب فيه آلاف المحطات التي تظهر الاحباط واليأس، و محاولة التطلع لعالم جديد ولكنه محكوم، ضمن أفق يحصره في رؤية ذاتية، وهو ما يوقفنا امام ادراك نصر الله علي اهمية التحكم في الرؤية البصرية بحرفية اليد والنظر لمعاملة الالوان، والجواب المعروف، عندما يمتلك الفنان قوة الخط، والبعد الفكري لما يريد، لهذا يستعمل نصر الله محدودية الالوان والاقتصاد فيها بقصدية، لكي يتلاعب بقيمها وتدرجاتها.

وأكمل : للإبقاء على المؤثر البصري يتفاعل مع التأمل والدهشة والفكرة التي تشغل هواجسه، الكشف عن أغوار الذات من خلال الصفاء وشفافية اللون الذي يتدرج بمزج اللون الابيض بدقة المقتدر، لانبثاق الفكرة الجمالية التي يقودها التشكيل المعماري الهندسي الذي يقيمه باحترافية عالية، وبتقنية لحركة الخط بين الاستقامة والانحناءة، وموسيقية تنسجم وروحية العمل كلياً، البني + الاصفر الفاقع، ومساحة الازرق في فضاء متداخل بين مساحة فراغ متسعة، وتداخل الاخضر الصريح، ولكن بتكثيف ومساحة ضيقة مع الوان الازرق والبني.

وبين: في اللوحات التي يشكل الازرق مساحة الفراغ، يحقق حضوراً للأبيض بصورة طاغية ولكنه ليس بمساحة الازرق وانما يضيعه بتداخله بالون السائد الازرق،هذه التقنية تنم عن فهم وأدراك لفيزيائية اللون ومدركاته البصرية، فمنحه أكبر قدر من التعبيرية والتأثير البصري المباشر، وهي تعبير عن احترافية لصياغة الفكرة عبر مركزية التكوين في الرؤية البصرية، أن الصيغ التي يستخدمها في تقنية اللون، تحيلك إلى واقعية الصورة وكأنها صورة فوتوغرافية، ولكن عندما تدقق النظر تكتشف المخيال الذي تتمتع به اللوحة، وتجرك إلى حالة التأمل، وتدخل في حوار سردي لاكتشاف عوالمها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى