اراء

الأزمة الأوكرانية وعسكرة الوعي الروسي

 

بقلم/ د. علي دربج..

صحيح أن الأزمة الاوكرانية أدت الى تصاعد التهديد الروسي بالحرب، القائم أصلًا منذ مدة، ودفعت موسكو الى استحضار مصطلحات ومفردات سبق أن استخدمتها في حروبها العالمية، لاستنهاض المجتمع الروسي وتمجيد قوة وعظمة جيشها، وقدرته على سحق الأعداء، لكن في الحقيقة، أن هذا التوجه الخطابي العسكري الرسمي الذي يعود تاريخه الى سنوات خلت، لا يرتبط فقط بالتوترات مع كييف، بل بمخطط عسكرة المجتمع الروسي.

 وحاليًا، وبينما تقوم روسيا بحشد قواتها على الحدود الأوكرانية، مما أثار المخاوف الغربية من غزو وشيك، فإن العسكرة المطردة للمجتمع الروسي في عهد الرئيس فلاديمير بوتن تلوح في الأفق، ويبدو أنها جعلت الكثيرين يحملون فكرة أن القتال قد يكون قادمًا. ففي حديثه إلى القادة العسكريين الروس الثلاثاء الماضي، أصر بوتين على أن “روسيا لا تريد إراقة الدماء”، لكنها مستعدة للرد بـ “إجراءات عسكرية تقنية” على ما وصفه بـ”السلوك العدواني للغرب في المنطقة“.

ما هي قصة عسكرة المجتمع الروسي؟

على مدى السنوات الثماني الماضية، روجت الحكومة الروسية لفكرة أن الوطن الأم محاط بالأعداء، وعملت ليس فقط على بث هذه المفهوم من خلال المؤسسات الوطنية مثل المدارس والجيش ووسائل الإعلام والكنيسة الأرثوذكسية، بل إنها أثارت احتمال أن تضطر البلاد مرة أخرى للدفاع عن نفسها كما فعلت ضد النازيين في الحرب العالمية الثانية.

 هل تفاعل الروس مع هذه العسكرة؟

 تشير استطلاعات الرأي الدورية للمركز (اي ليفادا)، الى أن الجيش الروسي أصبح في عام 2018 المؤسسة الأكثر ثقة في البلاد، متجاوزًا حتى الرئيس. هذا العام أي 2021، بلغت نسبة الروس الذين يقولون إنهم يخشون اندلاع حرب عالمية أعلى مستوى مسجل في استطلاعات تعود إلى 1994 وهي 62 بالمائة.

ماذا عن دور وسائل الاعلام؟

شكل الاعلام  الروسي الحكومي -ولم يزل- رأس الحربة في مخطط عسكرة المجتمع، حيث جرى التركيز على فئة البالغين الذين يحصلون على غرسهم من التلفزيون الرسمي، من خلال عرض برامج سياسية هادفة ــ ومن ضمنها برنامج اسمه “موسكو. الكرملين. بوتين” ـــ لاستثارة المشاعر وبالتالي حضّهم على العودة الى الوطن، وذلك عبر سرد رواية “انقلاب فاشي في أوكرانيا وغرب عازم على تدمير روسيا”، بحيث يكون الجميع متحدين بالذاكرة شبه المقدسة للنصر السوفياتي في الحرب العالمية الثانية، والتي استحوذت عليها الدولة (اي الذاكرة) لتشكيل هوية روسيا المنتصرة التي يجب أن تكون مستعدة لحمل السلاح مرة أخرى.

أكثر من ذلك، وعلى التلفزيون الحكومي الروسي ذاته ايضًا، كانت تلاوة قصة “أوكرانيا التي يسيطر عليها النازيون الجدد واستخدامها كنقطة انطلاق للعدوان الغربي” (والكلام هنا للتلفزيون) مُجازًا وشائعًا منذ الثورة الموالية للغرب في كييف في العام 2014.

وللدلالة على هذا الأمر، قال يفغيني بوبوف، عضو البرلمان المنتخب حديثًا ومقدم برنامج سياسي شعبي على التلفزيون الحكومي، في مقابلة صحافية “أعتقد أن معظم الناس في روسيا لن يكونوا مؤيدين إلا إذا دافعنا عن الشعب الروسي الذي يعيش في هذه الأراضي” ، مشيرًا إلى المناطق الانفصالية في أوكرانيا حيث حصل مئات الآلاف على الجنسية الروسية.

لتنمية روح العسكرة بين مواطنيها، لجأت موسكو كذلك إلى ادوات ووسائل متعددة، للوصول الى غايتها، منها: اقامة المعارض، والعروض الفنية والثقافية وتنظيم المؤتمرات.

 لنبدأ بالمعارض، حيث افتتحت الكاتدرائية الكبرى للقوات المسلحة الروسية على بعد ساعة واحدة غربي موسكو العام الماضي. تميزت الكاتدرائية بمظهرها الخارجي العسكري ذي اللون الاخضر، فيما غطت ارضيتها بأسلحة ودبابات تم الاستيلاء عليها من الفيرماخت الألماني اي (القوات البرية الالمانية)، كما زُينت نوافذها الزجاجية الملونة المقوسة بشارات وميداليات علقت عليها.

ماذا عن البرامج المخصصة للشباب؟

مؤخرًا، تجمع أكثر من 600 شخص في موسكو من جميع أنحاء روسيا، في منتدى برعاية الحكومة يهدف إلى تعزيز الروح الوطنية بين الشباب. وقد أشاد سيرجي كيرينكو، نائب رئيس أركان بوتين القوي، بالحضور لقيامهم “بعمل مقدس“.

اثناء المؤتمر، تحدث اثنان من “متطوعي النصر” عن خططهم لتعليم طلاب المدارس الثانوية انتصار روسيا في الحرب العالمية الثانية في حدث إقليمي في الأسبوع التالي.

ما هي الوسائل الفنية والثقافية؟

 الحقيقة أن القناعة السائدة في المجتمع أن روسيا ليست معتدية، تعكس أيديولوجية جوهرية تعود إلى العهد السوفياتي، وهي أن الدولة تخوض حروبًا دفاعية فقط. حتى أن الحكومة خصصت أموالًا للأفلام التي تستكشف هذا الموضوع.

في نيسان الماضي، أصدرت وزارة الثقافة مرسوماً يقضي بأن “الانتصارات التاريخية لروسيا” و”مهمة حفظ السلام الروسية” كانت من بين الموضوعات ذات الأولوية لمنتجي الأفلام الذين يسعون للحصول على تمويل حكومي.

المفارقة هنا، أنه بالرغم من هذا الجهد والابتكار، فإن فعالية رسائل الدولة العسكرية مطروحة للنقاش. تظهر استطلاعات الرأي أن الشباب لديهم وجهة نظر أكثر إيجابية عن الغرب من الروس الأكبر سنًا، ويبدو أن المشاعر المؤيدة للكرملين التي أثارها ضم شبه جزيرة القرم قد تبددت وسط الركود الاقتصادي.

ومع ذلك، يضاعف الكرملين من قوته، وذلك عبر زيادة “التعليم الوطني” وتمويل مجموعات مثل Vympel التي لديها حوالي 100 فرع في جميع أنحاء البلاد، وهي كانت قد  نظمت مسابقة المهارات الأخيرة في مدينة فلاديمير التي انتهت قبل اسبوعين.

 في المحصلة، في الوقت الذي تسعى فيه موسكو لتعبئة مواطنيها ضد التهديدات الغربية من حولها، فإننا في لبنان، ورغم وجود عدو يتربص بأرضه وشعبه، بكل لحظة كالعدو الصهيوني، هناك من يعمل ليل نهار، ويحوك المؤامرات للتخلص من أسباب القوة في هذا البلد (ونعني بها المقاومة طبعا)، ويحاول أن يمحو من ذاكرة اللبنانيين انتصاراتها وبطولاتها الاستثنائية (على الاحتلال الاسرائيلي) التي تضاهي انتصارات روسيا في حروبها العالمية، مع الفارق في القدرات والامكانات وحتى العنصر البشري.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى