اخر الأخبارثقافية

نصيف الناصري.. قيثارة القصب التي هزمت جحيم الحروب بالشعر

المراقب العراقي/ ماجد حميد..

حين يبعثرك الحنين أو يؤرقك الشوق إلى جذورك الطينية في كل ميعاد؛ حتماً سترحل بهدوء ودون ضوضاء لدنيا القصب ومملكة البردي، وتتذكر أن هناك أناسًا كانوا وسط هذه البيئة هم أشبه بالملائكة، وأرواحًا تتمنى أن تدنو منها أكثر وأكثر. تلك هي الأرواح التي أنارت دروب الثقافة الجنوبية، علّمت المحبة وسقت أرواحًا بطيبة قلوبها، فتنحني الحروف خجلًا عند ذكر أسمائهم، لكل روح من تلك الأرواح حكاية.. ولكن يبقى عطاؤهم وفنهم أعظم وأجل مما يباح به.

ومن رحم هذه البيئة الجنوبية المعطاءة، تُشرق سيرة الشاعر نصيف الناصري (المولود عام 1960 لتُسجل إحدى أكثر المعجزات الإنسانية والأدبية فرادة في المشهد الثقافي العراقي والعربي؛ إذ تحول من أميٍّ فكّ الحرف في سن الخامسة عشرة إلى قمة إبداعية تُغني المشهد الشعري بخصوبة واستثنائية لا تُخطئهما العين).

نشأ الناصري في بيئة قاسية حُرِم فيها من التعليم المنتظم في طفولته المبكرة. غير أن المعجزة الأدبية في سيرته بدأت عندما دخل العاصمة بغداد؛ فبين عامي 1975 و1976 والتحاقاً بـ”الحملة الشاملة لمحو الأمية”، انتظم في “مدرسة الجبل الأخضر” بمدينة الثورة في تلك السن المتأخرة. هناك فكّ الشاعر الحرف للمرة الأولى ونال شهادة “يقرأ ويكتب”، لتبدأ منذ تلك اللحظة توأمة وجودية بينه وبين القراءة والنهم المعرفي الذي قاده إلى كتابة الشعر فطرياً. وقد تجلت هذه الانطلاقة فيما وصفه الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق بـ”الكتابة في درجة الصفر”؛ إذ لم يكن له أنموذج قد تعرف عليه سابقاً ليمارس عليه سلطة في الأداء، بل أدرك الشعر بفطرته الأولى عبر المشافهة، لينتج نمطاً مغايراً يحتفي بالتفاصيل الصغيرة ملغوماً بالمغاير المحطم لكل الإرثيات الشعرية.

لم يكد الناصري يتلمس طريق الكتابة حتى ابتلعته الآلة العسكرية؛ فأمضى اثني عشر عاماً كاملة (1979 – 1991) جندياً في صفوف مشاة الجيش العراقي، معايشاً أهوال حربين طاحنتين. عاش الناصري في خطوط المواجهة الأولى ورعب الخنادق اليومي، ونتيجة لرفضه الداخلي الأيديولوجي والإنساني لهذه المحرقة، قام بمحاولات هروب متكررة قادته إلى العيش لسنوات مطارداً، متخفياً في أزقة مدينة الصدر/ الثورة تحت وطأة الخوف.

صقلت هذه التجربة القاسية قماشته الشعرية، فخرجت قصائده عارية من التزويق البلاغي التقليدي ومحمّلة بصدق فاجع يعري عبثية الحرب والموت.

وبعد تسريحه عام 1991، عاش في بغداد ثلاث سنوات شعرية عاصفة في المقاهي الثقافية الشهيرة مثل “الشاهبندر” ومقاهي شارع الرشيد والمتنبي وحسن عجمي. وانتمى إلى جيل من الأدباء المتمردين، وفي ظل الظروف الاقتصادية القاسية وصعوبة النشر، أصدر مجاميعه الشعرية الأولى مكتوبة بخط اليد ومستنسخة بآلات التصوير الضوئي لتُتداول سراً كمنشورات ثقافية متمردة.

جمعت الناصري بالشاعر الكبير الراحل حسب الشيخ جعفر علاقة زمالة أدبية وصداقة متينة امتدت عبر محطات الغربة والوطن؛ بدأت بالجيرة في مدينة الثورة (إذ كان الناصري يسكن القطاع 9 وحسب يسكن القطاع 7)، وتوطدت في محطة عمّان (1994 – 1998) حين استضاف الناصري صديقه في بيته عام 1996 بتنسيق من الشاعر عبد الوهاب البياتي. وكان الناصري من الجُلاس القلائل الذين وثقوا حياة حسب وجوانب من تجربته، أجرى معه حواراً أدبياً شهيراً نُشر في مجلة “الفينيق” عام 1997، وكتب نصوصاً يستذكر فيها عزلة صديقه. وبالمقابل، عكست مراسلات تلك الفترة خوفاً أخوياً من حسب الشيخ جعفر على موهبة الناصري، كاتباً إليه بمحبة: “ما أطيبك يا نصيف، وما أطيب حديثك الفصيح مع أنك خريج محو الأمية… مزيداً من الشعر أيها الصعلوك الرائع”.

في عام 1998 هاجر الناصري إلى السويد واستقر في مدينة “مالمو”، حيث فتح له المنفى الأوروبي آفاق الاستقرار والتفرغ التام للمشروع الأدبي. تحول الناصري هناك إلى أحد أغزر الشعراء العرب إنتاجاً عبر “انفجار إبداعي” ونشر شبه يومي لقصائده النثرية الغاضبة والوجودية، والتي صاغ فيها سيرته الذاتية الضخمة الموسومة بـ “معرفة أساسية: الحرب. الشعر. الحب. الموت” الصادرة في أجزاء متعددة، مجسداً صوتاً شعرياً كونياً ينطلق من محليته المثخنة بالمرارة ليحاكي العذاب الإنساني العام.

حظيت تجربة الناصري باهتمام النقاد؛ إذ أكد الناقد مهدي قاسم، أن الناصري يُعد من الشعراء القلة الذين يتميزون بصوت شعري خاص كأنه “ماركة مسجلة” تُعرف بها قصيدته حتى لو نُشرت سهواً دون اسمه. إن نصيف الناصري يظل شاهداً حياً على قدرة الكلمة الإبداعية في إنقاذ الإنسان من جحيم الأمية، والحروب، والتشرد، محولاً عذاباته الشخصية إلى نص كوني يقرؤه العالم بأسره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى