اراء

لماذا يبقى الصِدام بين تركيا و”إسرائيل” منضبطاً؟

بقلم: عريب الرنتاوي..

لم تترك تصريحات المسؤولين الإسرائيليين مساحة للاجتهاد والتأويل في فهم ما ينوون فعله أو يريدون تحقيقه، ممنوع على تركيا أن تجتاز خطوط عرض محددة في شمال سوريا، أو أن تتجه جنوباً صوب دمشق، وبالأخص جنوبها، حتى وإن جاء ما تسمّيه بـ”التمدد التركي”، مدفوعاً بالحاجة إلى تدعيم الدولة السورية التي يُعاد بناؤها، أو حتى بطلب مُلِحّ من الحكومة السورية.. “رسائل النار” التي حملتها الضربات الجوية لمطار أبو الظهور، كانت موجّهة في معظمها، لأنقرة، وقلّةٍ منها لدمشق.

وفي زمن نزعت فيه الحكومة الإسرائيلية “قفازات الدبلوماسية” عن مواقفها وتصريحاتها، وباتت تجأر بمكنونات مشروعها الاستعماري التوسعي، لم تعد “تل أبيب” تُخفي نيتها “تقاسم النفوذ” في سوريا، وفقاً لتوازنات القوى الجديدة التي تعتقد أنها نجحت في فرضها على الإقليم برمته، بعد حرب السنوات الثلاث، على جبهاتها المتعددة.

بهذا المعنى، لن تمانع “تل أبيب” في تعزيز روابط أنقرة مع دمشق، في ميادين التجارة والإدارة، وليس بمقدورها تقطيع سبل هذا التعاون أصلاً، بيد أنها ستبادر (وقد بادرت) إلى رسم خطوطها الحُمر، حين يتعلق الأمر بأي وجود عسكري تركي على الأرض السورية من جهة، وأي مسعى من دمشق وأنقرة، لإعادة بناء وتجهيز الجيش السوري الناشئ من جهة ثانية.

ووفقاً للقراءة الإسرائيلية المستندة إلى “جديد نظرية الأمن القومي”، فإن تركيا تنهض اليوم، بوصفها تهديداً لأمن “إسرائيل”، على رأس “محور سنيّ راديكالي”، يذكرها بما كانت إيران تفعله في سوريا بخاصة، و”المحور” بعامة، تركيا وفقاً لنتنياهو، باتت تهديداً جدياً لأمن “إسرائيل”، وصارت تُدرج أحياناً في خانة “العدو”، برغم استمرار العلاقات التجارية والدبلوماسية، وإن بحدها الأدنى، بين الجانبين.

ووفقاً لهذه القراءة أيضاً، فإن سوريا بعموم جغرافيتها، وليس جنوبها وقممه المرتفعة فحسب، يتعين أن تكون “حزاماً أمنياً” يحمي حدودها الشمالية، ويقطع الطريق على أي احتمال لـ”7 أكتوبر” جديد… ما يعني، ودائماً وفقاً للمسؤولين الإسرائيليين، عدم السماح لها بامتلاك سلاح جو أو سلاح صاروخي فعّال، أو حتى دفاعات أرضية حديثة كفيلة بـ”كسر” الاستباحة والعربدة الإسرائيليتين.. كما أن قيوداً أخرى، تتحدث “تل أبيب” عن الحاجة إلى فرضها، وتتعلق بالبحرية السورية، التي سيحظر إعادة بنائها وتمكينها، ورسم خطوط حُمر لمديات وخطوط إبحارها.

الصورة الأكبر

قبيل حرب الأربعين يوماً على إيران، كشف نتنياهو عن قراءته “العميقة” للتحولات الاستراتيجية التي تطرأ على الإقليم الممتد من قزوين حتى ضفاف المتوسط… يومها قال: إن محوراً “شريراً” قد أخذ يضعف بضرب إيران وحلفائها، ولكن تهديده مازال قائماً، فيما الإقليم يشهد على ولادة محور “شريرٍ” آخر، راديكالي سُنّي هذه المرة، تقوده تركيا، ويضم في صفوفه كلاً من السعودية والباكستان ودول أخرى مرشحة للانضمام إليه، أو داعمة له من خارجه.

وفي مواجهة هذين المحورين/ التهديدين، يقترح نتنياهو إنشاء محور سداسي، بقيادة “إسرائيل” بالطبع، ويضم إلى جانب الهند، كلاً من الإمارات وقبرص واليونان وإثيوبيا، ومثلما أدار نتنياهو حروباً بالوكالة ضد المحور الإيراني في ساحات انتشاره ونفوذه، قبل أن ينتقل إلى الحرب المباشرة مع إيران في حزيران 2025، فإنه اليوم، يسعى في مطاردة المحور الراديكالي السني، والقيادة التركية لهذا المحور، في ساحات نفوذه وانتشاره، بدءاً بسوريا، مروراً بلبنان، وليس انتهاءً بالقرن الأفريقي ومختلف “خطوط التماس” الأخرى.

وزاد في قلق “إسرائيل” وتوترها حيال الدور التركي المتصاعد على حدودها الشمالية، ذلك النفوذ المتزايد الذي بدأت تتمتع به أنقرة في لبنان، بدءاً من شماله، شعبياً ورسمياً، وبما يشمل المحسوبين على “محور إيران وهلالها”، ومن ضمنهم حزب الله، فليس خافياً على أحد، أن “الدبلوماسية الخلفية” لأنقرة نجحت في تفتيح بعض قنوات التواصل بين الحزب ودمشق، وتبادل “رسائل الغزل” الناعم، عبر الإعلام بين الجانبين، وإقدام تركيا على تقديم رزمة أفكار (لم تبلغ مستوى المبادرة) لحلحلة الملفات الداخلية اللبنانية المتصلة بالعلاقة بين الحزب والدولة، راهناً ومستقبلاً… تركيا – موضعياً تملأ فراغاً عربياً في لبنان، كان من بعض نتائجه المرة، إضعاف الحريرية السياسية، وترك اللبنانيين السنّة تحديداً، نهباً للانقسامات وعرضة لأمراض فقدان الزعامة.

صِدام منضبط

ستواصل “إسرائيل” سيرها على خط “الصدام المنضبط” مع تركيا، وستدير الأخيرة علاقاتها بالأولى، وفقاً للقاعدة ذاتها، لا أحد من الطرفين، يريد الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وقد لا يكون مسموحاً لهما بفعل ذلك، لاعتبارات عدة، سنتوقف عند بعضها فقط:

إسرائيلياً، تخوض “تل أبيب” صراعها مع أنقرة، في أجواء أمريكية – دولية غير مواتية لها.. العلاقات الأمريكية – التركية شهدت تحسناً ملحوظاً في ولاية ترامب الثانية، والأخير يجاهر بثقته بالرئيس أردوغان وصداقته الشخصية معه، وهو حضر قمة “الناتو” الأخيرة لأنها عقدت في تركيا وبدعوة من رئيسها، وليس لاهتمامه بالقمة أو “الناتو” كما قال شخصياً.

فيما سوريا، تحظى بمكانة متزايدة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية في المشرق، وفي حقل الطاقة وطرق إمدادها وخرائط تمدد أنابيبها، وقد شهدت العلاقة بين دمشق وواشنطن، قفزات تأريخية غير مسبوقة منذ استقلال سوريا، ولعلّ في مقاربات الموفد توم باراك حول سوريا والشرع والجولان الذي قال إنه أرض سورية محتلة، قبل أن يعود ويتراجع عن تصريحه تحت ضغط العواصف التي أثيرت في وجهه، لعل في كل ذلك، ما يكبح، وإن نسبياً، غلواء العربدة وشهية الهيمنة والتوسع.

تركيا التي خبرت أكثر العلاقات إشكاليةً مع الاتحاد الأوروبي، الذي يصر على البقاء “نادياً مسيحياً مغلقاً”، بعضوية رمزية من دول صغيرة ذات أغلبية مسلمة، تدرك كذلك، أن مفاعيل المادة الخامسة من ميثاق “الناتو” ستتعطل حين تكون “إسرائيل” هي الطرف الآخر في الصراع، لذلك رأيناها شديدة الحماسة لقيام التحالف الثلاثي الجديد، بل تسعى جاهدة في ضم أطراف وازنة أخرى إليه، مصر على سبيل المثال، ليصبح منظومة إقليمية للأمن والتعاون، قادرة على ملء فراغات القوى الكبرى وتراجعاتها في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى