التناظر بين حياة القرية والمدينة في « أتربة على أشجار الصبار»

المراقب العراقي/متابعة..
يبني العمل الروائي عوالمه المحكية بين الواقع ـ بما فيه المرجع ـ والمُتخيّل. وبالتالي ، لا بد من متن أو مداخل تصاغ ، ضمن حكاية لها رأس تطل منه أو رؤوس. لهذا، لا بد من تلك الخلفية الثرة، بالنسبة للكاتب، لصياغة عوالمه، وفق ضوابط أو جماليات، تتعدد بتعدد التجارب و الرؤى.
فبقدر ما نقرأ نصوصا سردية؛ تنطرح أمامنا طرق وأنفاس سرد. وفي ذلك يختلف الكتاب ـ على سرادهم ـ في كيفية صياغة المتن وفي الإبداع والعمق . ذلك، أني أظن أن خلف كل رواية قلق منثور. خطرتني هذه الفكرة المركبة؛ وأنا أتداول تصفحا الرواية المعنونة بـ»أتربة على أشجار الصبار» للروائي عبد الواحد كفيح، الصادرة مؤخرا عن دار أكورا في طنجة المغربية.
رواية تتشكل من أنفاس روائية، ترصد مسارات أسر صغيرة بين البادية والمدينة؛ في تتبع كثيف للتفاصيل واليومي، الذي يدخل في باب الساقط والمنسي من التاريخ. ولكنه يشتغل على مساحة أوسع في المخيال والوعي الجمعيين. من هنا تنطرح عدة وشائج بين الرواية واليومي المتبدل، بين الرواية والتاريخ ، بينها والذاكرة …فكان العنوان مركبا، ومصاغا وفق هذه الرواية . كأن الأمر يتعلق بصياغة ذات خلفية ثقافية وأنثروبولوجية، تشخص الانغراس طينا في وجود شائك. نتساءل في هذا الرصد عن تجلياته، وعن الآليات المعتمدة في الصوغ السردي.
تسوق كل رواية أحداثا متقطعة (مختارة وتم التفكير فيها)، عبر مسارات حكاية ما، تتخلق بين الواقع ـ بما فيه المرجع ـ والمتخيل. وعليه فالرواية قيد الدرس تصور سردا الحياة بين القرية والمدينة، تركيزا على نمط العيش في قرية مقذوفة لقدرها. في تبئير لمفاصل هذه القرية من فقيه (غريب) الذي حطه السيل واستولى على البلدة وعبادها؛ نظرا للفهم السطحي وغير العقلاني للعامة. والغريب، أنه اغتنى؛ وتطور ذلك إلى سلب الأموال وكل ما يريده، بواسطة توظيف الدين من أجل مصلحة ذاتية. ورد في رواية «أتربة على أشجار الصبار»: «اعتاد الفقيه الزعيم على عقد اجتماعاته في زاويته، فيأتيه العديد من الشيوخ العلماء والفقهاء الوجهاء للمسامرة والذكر والمديح . كلما مثلوا بين يديه اضطربوا في حضرته وهم يتحدثون له راكعين. كما يليق بجوقة من الكومبارس يؤدون أدوارهم بإتقان في مسرحية سمجة انطلت مشاهدتها على ضعاف القوم، الذين تقبلوا قدرهم ذاك بسهولة ووداعة، معتقدين اعتقادا حازما أنه فعلا يستحق الركوع وحتى السجود». وامتدت تلك السطوة إلى سلب أسرة أرضها. فاختارت هذه الأخيرة الهجرة إلى المدينة. هجرة متدحرجة عبر طريق طويلة وشاقة. لينتهي الأمر بهذه الأسرة إلى هامش المدينة. فتنوعت المعاناة من سكن وفقر… وغير خاف، أن أفراد هذه الأسرة حملوا إرث القرية هناك وظل ساريا في أجسامهم، ما أدى إلى تصادم القيم، لكن شخصية محمد ساعدت أسرتها على البقاء، من خلال تأقلمه مع حياة المدينة وهوامشها. فاختار مواجهة العنف بالعنف. وفي المقابل، وبشكل متواز، كانت الرواية تناظر بين حياة القرية والمدينة، من خلال نموذجين، بلدة مريم وما يجاورها، ومدينة غول كما تسميها الرواية. ففي البادية سعى الحكي إلى بناء استراتيجية تمثلت في تقديم صورة عن نمط عيش القرية، حيث حضور شخوص على قدر كبير من الفعالية والتأثير: يتعلق الأمر بالفقيه وسيطرته الشاملة، والعطار ودوره في الترابط وتبادل الأخبار، فضلا عن الشيخ والمقدم… وفي المقابل، يتابع السارد الإحاطة بتفاصيل حياة الأسرة المهاجرة التي قررت العودة مرة أخرى لمنبتها القروي والانتقام من الفقيه، باعتباره سببا حقيقيا في اقتلاعها.



