غرافيتي بانكسي: مخيلة تزهر على جدار

هناء عبد الخالق..
«الفن وعد بالسعادة.. حتى لو كان هذا الوعد كاذبا» لا أدري لما داهم قول أدورنو تفكيري ومشاعري بعد الحماس لزيارة معرض «عالم بانكسي» في باريس، وبعد رؤية أعماله مجسدة على جدار وهمي لم يقصده بانكسي تحديدا.
والمقصود من هذا القول هنا هو أنّ السعادة الجمالية تأتي من قدرة الفنّ على منحنا متعة حسيّة تجعل من المتلقي، أو المشاهد عنصرا نشيطا فكريا وحسيا داخل التجربة الجمالية. فما يريده في الحقيقة هذا الفنان المتخفي أن يكون بطل المشهد الوحيد هو العمل الفني، وما يحمله من قضايا، وأن يكون هذا العمل متاحا في الشارع أمام كل الناس، لا أن تحدّه صالات العرض ومزادات البيع، فيكون تجربة فنّية متاحة للجميع.
كانت زيارتي لهذا المعرض «عالم بانكسي» جزءا من اختبار لمشاعري ورؤيتي بفعلٍ مُقارن للفن الغرافيتي، بين الذي عرفته على جدار عمارة منهكة ربما، أو على مفترق طريق فاجأني واستوقفني متأملة في المكان، وفي الفكرة المزروعة على الحائط والمشبعة تربتها ريا بشغف الفنان وقلقه، لإنجاز رسالة يفاجئ بها متلقيه. وبين أن أقصد مكان العرض لأطلّع على بعض الأعمال الصغيرة التي نفّذها بانكسي باستخدام الشاشة الحريرية في إصدارات محدودة، مع تنفيذ بعض الرسومات على الجدران بشكل مزروع بهدوء بتقليد لأعماله بشكل دقيق.
هنا نسأل أي معنى للسعادة الفنّية في أفق التسليع لفن الغرافيتي؟ فاللذة الجمالية التي يمنحنا إيّاها هذا الفن هي لذّة فكّرية تكمن سعادتها وفرحتها القصوى في عنصر المفاجأة، في تأمّل الانسجام بين الموضوع وغفلة المكان ضمن جمالية اللعب الحرّ للمخيّلة، وهذا يقود ربما إلى معنى الجمال بوصفه «موضوع إشباع بلا منفعة».
لا أحد يعرف من هو بانكسي، ومع ذلك الجميع يعرف من هو، هل يمكن أن يكون الفنان مشهورا ومجهولا في آن معا؟ يحرص بانكسي دائما على عدم الكشف عن هويته، وكل ما يُعرف عنه أنه فنان بريطاني من مواليد بريستول عام 1974.
بدأ رسم الغرافيتي في بريستول، في تسعينيات القرن الماضي، عندما التقى بشاب لُقِّب بـ (3D)، قادم من نيويورك، يقول بانكسي إنه كان أول من أدخل بخّاخ الرسم إلى مدينة بريستول الصغيرة. هذا المُلهم فتح عينيْ بانكسي على روعة فن الغرافيتي، ليلمع نجمه في أواخر التسعينيات محتلا شوارع ومدن العالم المختلفة.
غموضه لغز حقيقي، وتفرّد لم يحظ به أي فنان في العالم. فكيف لفنان أن يبتعد عن الأضواء لهذه الدرجة، تاركا شهرة أعماله العالمية بلا صاحب؟ ربما التهرب من السلطات أحد التفسيرات في البداية، لكنه اكتشف في ما بعد أن عدم الكشف عن هويته أثار ضجة خاصة به لا تقدر بثمن من ناحية شهرته وتفرده. لكن هذا التخفي أصبح في مكان آخر جزءا من مصادرة حقوقه عندما خاض صراعا قضائيا طويلا مع «مطبعة» تقوم بتوزيع عمله الشهير «قاذف الزهور»، الذي رسمه بانكسي لأول مرة عام 2005 في بيت لحم، وبيعه في صورة بطاقات بريدية، بحيث أتى حكم مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية EUIPO آنذاك بأنه: «يمكن للشركة المصنّعة للبطاقات الاستمرار في استخدام الصورة» معللة ذلك في حكمها: «لا يمكننا إثبات أن بانكسي هو مالك العمل بيقين مطلق، لأنه هو نفسه مجهول الهوية».
يعمل بانكسي الآن دون غاليري يمثله وتتم عمليات بيع شبه سرية مع عملاء أثرياء محدودين، ما مكنه من الإنفاق على أعماله الأخرى الطموحة والضخمة.
هذا الفنان الشاب، لا يريد الالتحاق بالنخبة الفنية المتعارف عليها، بل يريد التجول حاملا رشاش الألوان، تاركا رسوماته على الحوائط في شوارع بريستول ولندن، لفئران وقردة وموناليزا تحمل قاذفة صواريخ.



