لماذا يلجأ ابن سلمان إلى التصعيد مع لبنان في هذا التوقيت؟

بقلم/حسن الخطيب..
نزعت السعودية قناعها، وتخلَّت عن رمادية موقفها تجاه حكومة نجيب ميقاتي، وأعلنت استكمال مسار المواجهة وخلط الأوراق الذي سبق أن بدأته في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، حين اعتقلت سعد الحريري في الرياض، وأجبرته على تلاوة بيان الاستقالة، في مشهد لم ينسَه اللبنانيون حتى اللحظة، لتثبت قيادة المملكة الجديدة أنها لا تتقن فن الدبلوماسية والبراغماتية، وهي أقرب من أيِّ وقت مضى إلى الراديكالية المفرطة في التعاطي السياسيّ، ليس مع لبنان فحسب، بل مع العديد من قضايا المنطقة والعالم أيضاً.
إذاً، قرّر محمد بن سلمان مؤخراً المضي قدماً بمحاصرة لبنان سياسياً واقتصادياً، وتماهت معه ثلّة من السياسيين اللبنانيين المأزومين أصلاً داخلياً، والباحثين عن راعٍ خارجي لحملتهم الانتخابية، مقدّمين أنفسهم أكباش فداء لمزاج محمد بن سلمان وتقلّباته.
لم يعد خافياً على أحد أنّ السعوديّة تعيش أزمة وجودية وكيانية غير مسبوقة مع اقتراب موعد الحسم في ملفات عديدة سبق أن أجّلت حسم أمرها فيها أكثر من مرة، فهي ليست قادرة على تحمّل انتصارات “أنصار الله” في اليمن، وإدارة بايدن لا تملك متسعاً من الوقت للتغاضي عن فشل آلتها العسكريّة المستخدمة هناك في حسم الحرب أو على الأقل ردع “أنصار الله” ومنعهم من السيطرة على محافظة مأرب الاستراتيجية.
إضافةً إلى ما سبق، يعلم محمد بن سلمان أنَّ غضب إدارة بايدن تجاهه، والذي عبّر عنه أكثر من مرّة خلال حملته الانتخابية، لم يهدأ بعد، بل يزداد حدّة مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وتفاقم قضايا حقوق الإنسان التي تطال ولي العهد السعودي بشكل مباشر، مثل قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وقضية المسؤول الاستخباراتي السابق سعد الجبري المنفي في كندا، وغيرهما من القضايا.
كما أنَّه يعلم أيضاً أنَّ مصلحته الاستراتيجية تكمن في أن يستمر في مفاوضاته المباشرة مع إيران، لأنها السبيل الوحيد لضمان أمن منطقة الخليج ومضيق هرمز، وضمان استدامة أيّ حلّ مستقبليّ سياسيّ في اليمن والمنطقة، فلماذا لجأ ولي العهد السعودي إلى التصعيد مع لبنان في هذا التوقيت؟
تزامن إعلان السعودية قطع علاقاتها مع لبنان مع التقدّم العسكري الصريح لـ”أنصار الله” في أكثر من نقطة في محافظة مأرب، لتصبح المدينة محاصرة من عدّة جهات، وبالتالي إنَّ حتمية سقوطها عسكرياً مسألة وقت ليس إلا. أما على الصعيد اللبناني، فقد أتت خطوة المملكة السعودية بعد قرار قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية فادي عقيقي الذي يحقّق في أحداث الطيونة الأخيرة، بالاستماع إلى سمير جعجع، بعد اتهامات وُجِّهت إلى عناصر وقيادات في حزب القوات اللبنانية بالمشاركة في الأحداث الدامية في 14 تشرين الأول/أكتوبر في الطيونة وافتعالها، والتي راح ضحيتها 7 شهداء وعشرات الجرحى.
وبناءً عليه، وانطلاقاً من تزامن التوقيت السعودي مع تطوّر الأحداث في اليمن والأحداث الأخيرة التي حصلت في لبنان منذ تشكيل حكومة نجيب ميقاتي إلى اليوم، يتبيّن أنّ المستجدّ السعودي تجاه لبنان يأتي للتأثير في الوضع الداخليّ في اليمن ولبنان على حدّ سواء.
تستعدّ السعودية لجولة مفاوضات جديدة مع إيران في الشهر الحالي، وهي الخامسة. ومن المتوقّع أن تطرح من خلالها موضوع اليمن بعد التطورات الأخيرة وتفاقم خسائرها في مأرب، لتطلب مجدّداً من طهران المساعدة في عملية إنهاء العمليات العسكرية فيها، من خلال الضغط على جماعة “أنصار الله“.
ولأنّ السّعودية على علم ودراية بالموقف المبدئي الإيراني الَّذي أعلن عنه كبار المسؤولين الإيرانيين مراراً، بعدم وجود نيّة إيرانية لفرض أي تسوية سياسية في المنطقة على حلفائها، وأنها ليست بوارد التفاوض عوضاً عنهم، لجأت الرياض إلى التصعيد في لبنان، في محاولة منها لإجبار إيران على التنازل في اليمن، وبالتالي تحسين شروط التفاوض معها في بغداد.
هذا على الصعيد اليمني، بينما في الداخل اللبناني، أرادت السعودية من خلال هذا التصعيد المستهجن دبلوماسياً، والذي لا يرتكز على أية ذرائع وأسباب مقنعة، أن تعطي سردية “الاحتلال الإيراني، عبر هيمنة حزب الله على لبنان”، شيئاً من المصداقية في عقول الناخب اللبناني قبل أشهر قليلة من الانتخابات، فهي تستكمل ما بدأه الإعلام اللبناني المموّل منها، من تضليل للرأي العام في الأشهر الماضية، عبر محاولة تعميم فرضية “الاحتلال الإيراني وهيمنة حزب الله“.
إضافةً إلى ذلك، عزمت السعودية على تقديم الدعم المعنوي والسياسي لحزب القوات اللبنانية، الَّذي يبدو متورطاً بافتعال أحداث الطيونة الأخيرة، من خلال إشغال الشعب اللبناني بأزمة جديدة، وتخفيف الضغط عن حليفها الرئيسي في لبنان، أي سمير جعجع، وهذا ما يبرره الزيارة الوحيدة التي قام بها سفير السعودية في لبنان البخاري لمعراب قبل ساعات قليلة من صدور قرار قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب السفير من لبنان.
هل ينجح محمد بن سلمان اليوم فيما عجز عن تحقيقه في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2017؟! الجواب رهن الأيام القادمة.



