غرب آسيا بعد الحرب.. من التمزيق إلى النظام الإقليمي الجامع

بقلم: أحمد الدرزي..
بعد أن استعرضنا روح الشعوب الأساسية المكوّنة لأركان غرب آسيا (إيران، تركيا، مصر، الكرد)، نصل اليوم إلى السؤال الأكبر: كيف يمكن بناء مشروع ثقافي مشترك يجمع هذه الشعوب تحت مظلة جامعة، في ظلّ النظام الإقليمي الجديد الذي بدأت ملامحه تتشكّل بعد الحرب التي هزّت المنطقة؟ وكيف يمكن تجاوز إرث التقسيم الاستعماري الذي فكّك المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، واستبداله بنظام يقوم على حقائق الجغرافيا المتداخلة والتأريخ المشترك والمصير الواحد؟.
الإطار العام.. من “إسرائيل الكبرى” إلى “الشرق الأوسط الكبير” المحلي
ما يجمع شعوب غرب آسيا الأربعة (الفرس، الأتراك، العرب، الكرد) هو أنهم جميعاً يواجهون مشروعين وجوديين متناقضين مع مصالحهم:
الأول: مشروع “إسرائيل الكبرى” – المشروع التوسّعي الصهيوني الذي يهدف إلى الهيمنة على المنطقة “من الفرات إلى النيل”، وهو مشروع مناقض وجودياً لهذه الشعوب، لأنه يقوم على إقصائهم وتهميشهم وتهجيرهم إذا لم نقل استخدامهم واستعبادهم.
الثاني: المشروع الغربي – الذي فكّك المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وأقام دولاً مصطنعة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وزرع بذور الصراعات الدائمة (فلسطين، الكرد، الطائفية).
مع بدء ملامح انحسار المشروع الغربي بعد هزيمة الولايات المتحدة و”إسرائيل” في الحرب الأخيرة حتى الآن، ومع تقويض مشروع “إسرائيل الكبرى”، تظهر فرصة تأريخية لبناء نظام إقليمي جديد يقوم على أسس مختلفة: التعاون بدلاً من الصراع، والتكامل بدلاً من التفتيت، والمصير المشترك بدلاً من الهيمنة الخارجية.
هذا المشروع يمكن تسميته بـ”المشرق الكبير” (بالتأكيد ليس الغربي)، أي نظام إقليمي تصنعه شعوب المنطقة بنفسها، لا تفرضه عليها قوى خارجية.
القاعدة الأساسية.. جغرافيا متداخلة لا تعرف حدوداً إثنية فاصلة
من أكبر جرائم التقسيم الاستعماري بعد الحرب العالمية الأولى أنه رسم حدوداً فاصلة بين شعوب كانت تعيش معاً لقرون ولآلاف السنين، بلاد الشام (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن) والرافدين (العراق) هما نموذجان صارخان على هذه الجريمة.
بلاد الشام: كانت وحدة جغرافية وثقافية واقتصادية لآلاف السنين. التقسيم الاستعماري إلى أربع دول (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين) لم يأخذ في الاعتبار التماهي السكاني، بل خلق كيانات هشّة من السهل السيطرة عليها.
بلاد الرافدين: العراق كان وحدة جغرافية وتأريخية (بلاد ما بين النهرين)، لكنّ التقسيم الاستعماري وضع فيه ثلاث قوميات، هي (عرب سنة، عرب شيعة، كرد) في صراع دائم.
أين تكمن المشكلة؟ غياب الرؤية الجامعة
رغم أنّ شعوب المنطقة تمتلك كلّ مقوّمات الوحدة (جغرافيا متداخلة، تأريخ مشترك، ثقافات متقاربة، دين واحد للأغلبية، ومصير مشترك في مواجهة التحدّيات)، إلا أنها تفتقد إلى رؤية جامعة تحوّل هذه المقوّمات إلى مشروع سياسي قابل للتحقيق.
هناك أسباب عدة لهذا الغياب:
- النظم السياسية القطرية: الأنظمة الحاكمة في الدول العربية (وتركيا وإيران) تبني شرعيّتها على “السيادة الوطنية” و”الاستقلال القطري”، وأيّ مشروع إقليمي جامع يُنظر إليه كتهديد لهذه السيادة.
- الصراعات الإقليمية: التنافس بين إيران وتركيا والسعودية ومصر على النفوذ يمنع بناء مشروع جامع، لأنّ كلّ طرف يخشى أن يكون المشروع تحت قيادة الطرف الآخر.
- الإرث الاستعماري: حدود سايكس-بيكو لا تزال حاضرة في الوعي السياسي، وتقسيم المنطقة إلى “دول” صغيرة خلق نخباً سياسية مصالحها مرتبطة بهذا التقسيم.
مشروع ثقافي جامع
إذا أردنا بناء مشروع ثقافي مشترك يمكن أن يشكّل مظلة جامعة لشعوب غرب آسيا، فلا بدّ أن يقوم على خمسة عناصر:
أولاً: اللغة والثقافة المشتركة
العربية هي اللغة الأم لأكثر من 300 مليون شخص في المنطقة، وهي لغة القرآن والدين والحضارة، لكنّ التركية والفارسية والكردية أيضاً لغات حيّة.
ثانياً: الدين كقيمة جامعة لا حصرية
الإسلام هو دين الغالبية العظمى من شعوب المنطقة (سنة وشيعة). لكنّ المسيحيين (في مصر ولبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق) والإيزيديين (في العراق) والعلويين (في تركيا) هم جزء لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعي. المشروع الجامع يجب أن يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية داخل كلّ دولة بغضّ النظر عن الدين، مع الاعتراف بالإسلام كقيمة ثقافية جامعة، لا كأيديولوجيا سياسية حصرية.
ثالثاً: التأريخ المشترك
قبل الاستعمار، كانت المنطقة وحدة واحدة: الخلافة الإسلامية، ثمّ الإمبراطورية العثمانية، ثمّ تفاعلات ثقافية واقتصادية لم تتوقّف رغم الحدود. استعادة الوعي بهذا التأريخ المشترك يمكن أن تكون أساساً لبناء المستقبل. هذا لا يعني العودة إلى الماضي، بل استلهام روحه في بناء مستقبل مختلف.
الخلاصة.. الفرصة التأريخية لا تضيع مرتين
غرب آسيا يمرّ بلحظة تأريخية نادرة. الحرب الأخيرة التي هزّت المنطقة لم تحقّق أهدافها (إسقاط النظام الإيراني، تفكيك محور المقاومة، ترسيخ هيمنة إسرائيل)، بدلاً من ذلك، أظهرت حدود القوة الغربية، وقدرة شعوب المنطقة على الصمود، وحاجتها الملحة إلى نظام إقليمي بديل، يملأ الفراغ المقبل من جرّاء انكسار المشروع الأمريكي الإسرائيلي.
السؤال: هل تغتنم شعوب المنطقة هذه الفرصة لبناء مستقبلها بنفسها، أم ستنتظر حتى يعيد الغرب ترتيب أوراقه ويعود ليفرض هيمنته من جديد؟.
التأريخ يعلّمنا أنّ الفرص لا تضيع فقط عندما يفشل الناس في اغتنامها، بل عندما يفشلون في تخيّلها. فتخيُّل نظام إقليمي جديد في غرب آسيا ليس حلماً، بل ضرورة وجودية. فإما أن نبني مستقبلنا بأنفسنا، أو سيبنيه غيرنا لنا.
نحن شعوب غرب آسيا، بتأريخنا المشترك وجغرافيتنا المتداخلة ومصيرنا الواحد، قادرون على بناء نظامنا الإقليمي الجديد، فإما أن نكون معاً بتغييب كلّي للكيان، أو نكون مع العدم ببقائه.



