اراء

الصبر الإيراني.. والترقيع الجيوسياسي

د. ادريس هاني..

هذا ما يبدو من خلال تناطح المواقف والتصريحات في الخطاب السياسي لترامب. لا يتعلق الأمر بالتهريج، بل للأمر علاقة بفجوة سردية، بمخاض لم ينتهِ، يسبق ميلاد نظام عالمي جديد يستند إلى سردية واضحة.

اليوم، لم يعد قرار الحرب والسلم في يد الطرف الذي اعتاد على رسم الخرائط، بل مخرجات الحرب، وكما كان متوقعاً، أكدت على نهاية احتكار هذا القرار. لكن ما الذي يزعج من لا قرار لهم في معادلة الصراع، في منطقة بالغة التعقيد، لماذا يهربون في الهزيمة مع الاحتلال من انتصار متوقع لجار لطالما دعاهم إلى مشروع أمن إقليمي مشترك؟ مرة أخرى يتعذر فهم ذلك من دون استحضار الفجوة السردية إياها، فالمتعاونون مع الاحتلال هم عاجزون عن التحرر من سردية تهشمت بقوة الواقع وثأر الجغرافيا السياسية.

ليس للنصر والهزيمة معنى ثابت مطلق، بل هما مفهومان نسبيان يحددهما السياق والشرط ومفهوم القوة المتحرك. ففي الحرب اللامتكافئة، يكون للنصر معنى يتحدد بمخرجات الحرب من حيث أهدافها المقررة، ولا يتحدد بالقوة المفرطة وحجم الخراب، بوصفهما عوارض. هنا يبدو الثابت في معادلة القوة هو الصمود. غالبا ما تسعى القوة المفرطة لتقويض قدرة الخصم على الصمود وفرض الاستسلام.

أظهرت إيران حتى اليوم صبراً استراتيجياً ضد العدوان الآتي من الجوار؛ جوار رعديد عاش عقوداً على سبيل الايرانوفوبيا، أي كذب كذبة وغرق في مستنقعها؛ لقد أسرف في تطبيق نظرية ميكيافيلية تقول باختراع العدو الوهمي، وكانت إيران هي هذا العدو الوهمي الذي لوحت به دول الجوار في الخليج الفارسي، ليس فقط لكسب الرعاية الأمريكية، بل لمحو صورة العدو الحقيقي المتمثل في الاحتلال، الذي أظهر عدم اكتراثه بالقانون الدولي وبالإنسان، في حرب الإبادة بغزة وفي لبنان.

هنا لم تعد صناعة العدو الوهمي صناعة سياسية تحتفظ ببعض عناصر الاقناع، بل باتت صناعة تهريجية، حيث ميكيافيل وصولا إلى كارل سميث، لم يهملا عنصر الاقناع في هذه الصناعة. فالعرب لم يعودوا مكترثين لسؤال الإقناع، وهذا ما جعل الاستبداد عاريا في البيداء العربية، قوامه فرض صورة نمطية من دون إقناع، أسلوب فاشل في السيطرة على الذهنيات. وهنا يبدو الإسلام السياسي الذي يخوض تنافساً سياسياً وروحياً في الإقليم، كان أكثر وعياً بذلك، حين هرول إلى الأمام وتخلى تكتيكياً عن السردية القديمة، وهو بهذا يسجل فوزاً مجانياً على الأنظمة العربية بعد أن تخلى عن وظيفة التشنيع، التي سيستخلفهم فيها دعاة ضعفاء لن يصمدوا في هذه المعركة طويلا.

وبقدر ما أظهرت طهران حسن النية مع جيران انخرطوا في التمكين للعدوان، وبقدر ما عبرت من خلال خطابات رسمية ـ وليست لنا في القراءة السياسية إلا أن نعتمد البيانات الرسمية، وإلا سقطنا في التحليل بالظنون والعدمية ـ كان الاحتلال يزدري بالعرب ويتوسع جغرافيا، ولا أحد من خصوم إيران تحدث بجدية عن عربدة الاحتلال في الأراضي العربية، وعن التهديد الذي تمثله خطط احتلال هو اليوم في وضعية سعار جيوبوليتيكي.

معلومات بحجم قزمة العقل السياسي لتيار الهزيمة، ليسوا مرتاحين، إنهم يشعرون بالنكبة، نكبة انتصار إيران، إنه مرض، وهناك إصرار على توفير وصفة زائفة لعقل سياسي عربي يعاني اليتم ويكرر هناته. هؤلاء يمثلون تيار الهزيمة والكيد، فلا توجد هناك آراء، بل ثمة غريزة واحدة يتقاسمونها، غريزة واحدة فقط.

الحقيقة التي يصعب تقبلها اليوم، هي أن هذه الحرب كشفت عن طور جديد من العلاقات الدولية والإقليمية. إن الوفاء الغبي للسردية البالية القديمة، هو بلاهة جيوسياسية غير منتجة. هناك حاجة لشجاعة الاعتراف بأن سياسة التدخل والهيمنة باتت جزءاً من تأريخ نظام عالمي قديم. المعادلة اليوم واضحة: لا يمكن فرض شروط انتصار وهمي على بلد صامد، بل متفنن في الصمود. وفي مثل هذه الحالة، ما هو مصير احتلال فقد اليقين في المصير؟ هل يوفر النظام العالمي الجديد إكسيرا يحفز على الاعتراف بأن الاحتلال لا يمكن أن يستمر إلى الأبد؟.

تأخر العرب في فهم مسارات القوة في المنطقة، ذلك لأنهم وقعوا ضحية سردية عاجزة عن الصمود، سردية يلفظها الواقع الجيوسياسي الجديد. لقد وضع العرب كل البيض في سلة واحدة، لم يضربوا حساباً ـ وهم أهل صحراء ـ للرمال المتحركة للسياسة الدولية والجغرافيا السياسية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى