على خطى لورنس.. تان تان في العالم العربي

المراقب العراقي/ متابعة…
من بين القراءات الجديدة في عالمنا العربي، التي بدت قريبة من الرؤى السابقة، كتاب المؤرخ الفرنسي لوي بلين «تان تان في العالم العربي» المركز العربي للأبحاث، ترجمة سعود المولى، إذ سيخصّصه المؤلف لدراسة ألبومات تان تان المصوّرة، عبر تسليط الضوء على حياة وبيئة مؤلفه. كما أنه لن يقوم بمحاكمة مؤلفه كما يفعل نقاد الاستشراق التقليديون عادة، بل نراه ورغم كشفه عن صور الاستشراق المرسومة في هذه الألبومات، يبين أنّ المؤلف لم يكن يعبر عن موقف عنصري بالضرورة، بل هو نتاج الفترة الفكرية الأوروبية، التي تكّون وعاش فيها (الفصل الأخير). والجديد في هذا الكتاب أنه يفتح الباب أمام القارئ العربي للتعرف على موضوعات جديدة في النقد الاستشراقي (عالم الألبومات والكرتون)، ما يوفر مدخلاً أيضاً لدراسة عوالم كرتون أخرى في بلدان مسلمة، وليس بالضرورة البلدان الغربية فحسب، مثل مسلسلات الكرتون التركية للأطفال (رافدان طيفا) أو (إليف ف اركداشلاري)، اللذين أخذا في السنوات الأخيرة، مع قدوم السوريين للمدن التركية، يقحمان على خجل هذا التطور الجديد على صعيد الحياة العامة التركية، من خلال صنع شخصيات كرتونية غير تركية (يابانجي/غريب أو سوري أحياناً) ، ومما يلاحظ مثلاً أن إحدى هذه الشخصيات فتاة تحمل اسم «عهد» على الرغم من عدم انتشار هذا الاسم كثيرا بين السوريين، أو العرب مثلاً، وقد يعود ذلك لأن هذا الاسم في التركية والعربية يحملان معان متشابهة مثل عهدة أو التزام، وهذا ما قد يذكرنا بصورة السوري لدى الحكومة التركية، فهو ضيف أو مهاجر بالأحرى وليس لاجئاً، واللافت أيضاً أنّ هذه الفتاة تصوّر في المسلسل بشعر بني غامق خلافا لزميلاتها التركيات في المدرسة واللواتي يرسمن بشعر أصفر (أوروبي) أو أحمر، وهو ما يعكس الصورة النمطية لدى الأتراك عن الآخر العربي (الأسمر).
بالعودة للكتاب، يأتي المؤرخ المعروف هنري لورنس في سياق تقديمه للكتاب، على ذكر طرفة شهيرة كان يرددها الجنرال ديغول وتقول «لعلك تعرف أنّ منافسي الدولي الوحيد فعلياً هو تان تان» وهي طرفة يراها مؤلف الكتاب أمرا دقيقاً، إذ لم يتحقق لأي شخصية أن تؤثر في روح الأوروبيين المولودين بين عامي 1920 و1990، مثلما فعل تان تان ومؤلفه. وقبل السير في جغرافية الكتاب، لا بد من الإشادة بالجهد الذي بذله سعود على صعيد الترجمة الهادئة، ولإعداده فصلاً تمهيدياً للنسخة العربية، يبين عناوين ألبومات تان تان مع تواريخ صدورها، ومختصر عن كل رحلة، بالشكل الذي يمهد لفهم هذه الشخصية بشكل أفضل.
كان هيرجيه مؤلف تان تان قد أصيب مثل جميع الأوروبيين بالرعب جراء المجازر التي حدثت إبان الحرب العالمية الأولى، ما ولّد لديه نزعة ترفض جميع الانقسامات السياسية، وتقبل العالم كما هو، من دون إرادة تغييره، ولذلك كان تان تان يلاحق اللصوص والعصابات، وينقذ القريبين منه، من دون أن يحمل أخلاقيات تبجيل المصلحة العامة. كان هيرجيه يقول إنه هو تان تان نفسه، في حين كانت حياته تؤكد العكس، فهو لم يغادر أوروبا الغربية أبداً قبل بلوغه عمراً متقدماً، ويبدو تان تان وكأنه الابن الذي لطالما حلم به ولم يستطع أن يحصل عليه. ويرى مؤلف الكتاب أنه يمكن قراءة مغامرات بطله، باعتبارها تشكل بحثا عن الذات، فهو مثل كثير من الأوروبيين ممن ارتحلوا إلى الشرق (الأم) ليكتشفوا أنفسهم، ففي عام 1798 أبحر بونابرت نحو مصر «أم البشرية» وبعد 134 سنة كان تان تان يقود على الورق رحلة جديدة، مع ذلك فإنه لن يحمل الصفات العنصرية العميقة ذاتها، التي حملها الأوروبيون سابقاً، بل وجد في الشرق مكانا أقل وحشية وأكثر إنسانية.



