ثقافية

نساء في غرفة فرجينيا وولف: «قراءة المتن عبر الهامش»

المراقب العراقي/ متابعة…

في كتابها «نساء في غرفة فرجينيا وولف» تختار الأكاديمية وأستاذة النقد الأدبي  سعاد العنزي؛ تحليل الجنون والانتحار، وأثرهما في حياة مفكرتين كبيرتين هما الكاتبة الإنكليزية فرجينيا وولف والكاتبة العربية مي زيادة. ثم تكشف عبر المقارنة بين ظروفيهما وحياة كل منهما عن تناقضات الحداثة، وبنية الثقافة الذكورية. ودورها في حياتهما الإبداعية والشخصية.

يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب، تعرض على القارئ أهم المحطات في حياة كل من فرجينيا وولف ومي زيادة، وهي تتراوح بين مد وجزر، نمو وذبول، قوة وضعف؛ ويبدأ أول فصوله من لحظة انكسار الموجة. لقد كانت مي زيادة وعبر صالونها الثقافي منارة الشرق، ثم تخلى عنها الجميع وصمتوا إزاء محنتها؛ وبموازاة ذلك كابدت فرجينيا وولف نوبات الاكتئاب القاسية؛ مع فارق أنها تلقت الدعم ممن حولها، لكنها لم تستوعب الموت الذي نجم عن الحرب، وقسوة الرجال، صحيح أن الحرب لم تكن سببا مباشرا، إلا أن أثرها بدا واضحا في كتاباتها وانهيارها اللاحق. وعبر تحليل أعمال الكاتبتين والسيرة الذاتية لكل منهما. تحاول استشفاف روح العصر الذي عايشتاه – فالنكبات والمسرات الخاصة لإنسان هي السيرة الذاتية لعصره – وبتوظيف نظرية (Trauma Theory)، يمكن الوقوف على الأسباب العميقة التي جعلت كلا من فرجينيا وولف ومي زيادة تنتهيان بطريقة مؤلمة. كما بينت الناقدة العنزي -أن كلا منهما جمعت بين قوة العقل (المتمثلة ببراعة التحليل والنقد والكشف عن التناقضات الذكورية، والنظرة المجحفة للمرأة. ظهر ذلك عند وولف واضحا في كتابها «غرفة تخص المرء وحده» و»ثلاثة جنيهات» و»القارئ العادي». وفي أعمال مي زيادة من خلال ثلاثيتها ـ عائشة تيمور، وباحثة البادية، ووردة اليازجي، إضافة لمقالاتها النقدية) وبين الهشاشة الداخلية والصراعات النفسية، التي أدت لمعاناتهما وعلاقة كل منهما بالأسرة والمجتمع الثقافي.

وتحت عنوان «الكترا في منتصف الطريق» تحلل الناقدة علاقة الكاتبة الإنكليزية بالأب، فلم يكن الأب نموذجا يمكنها الإعجاب به؛ ولا يمكنها كراهيته؛ كان «ذا طبيعة مزدوجة، مانحا ومانعا في آن معا، ولم يكن عاملا مساعدا في الكتابة. على العكس من ذلك، كان يقف أمامها كمعضلة».

وقد ترك الموت (موت أفراد عائلتها بدءا من موت الأم والأخت والأخ ثم الأب وأثره في تركيبة شخصيتها. في السياق ذاته كان للموت في حياة مي (موت الأخ ثم والدتها ووالدها وصديقها جبران خليل جبران) أثر فاجع في نفسها. وبينما تبدو صدمات فرجينيا وجودية، فإن صدمات مي وفي جزء منها سببها الوسط الثقافي ورومانسيتها الظاهرة «لقد كتبت مي عن نساءٍ قُتلن وعُوقبن وحُرمن من حقهن في الحياة، ولم تتصور، في ذلك الوقت، أنها قد تكون واحدة منهن».

وترى العنزي أنه يمكننا، من خلال قصة حياتها وموتها، فهم بنية العقل الذكوري وثقافة المجتمع؛ الذي زج بمفكرة من طراز مي في المصح، ورفض إثبات أهليتها، وحاول وصمها بالجنون، وفيما حظيت وولف بحب زوجها وأقاربها، ودعمهم لم تنل مي زيادة إلا التجاهل. لقد آمنت كل من وولف ومي زيادة بقيم التحرر والحداثة فهل آمن بهما الآخرون؟ فالرجال الذين حضروا في صالون مي، هم ذاتهم من تخاذلوا في قول كلمة من أجلها. وبينت الكاتبة – كيف أن اقتياد مي زيادة، وهي في كامل قواها العقلية، وذروة إنتاجها الأدبي، إلى المستشفى، لإعلان جنونها علامة على إخفاق الحداثة العربية. وعلى النقيض تماما حظيت وولف بالمساندة من زوجها وأصدقائها، الذين دعموها ووقفوا إلى جانبها. «إنها بالفعل مفارقة تكشف أزمة عالمين؛ عالم متطور ومتقدم يحترم نساءه، وعالم آخر يقتاد نساءه إلى قاع البؤس، ومتاهات الجنون، ومهالك القسوة والظلم». وبذا يتجاوز الكتاب السؤال عن الهوية الممزقة واضطرابات الصدمة، لكل منهما إلى سؤال عن البنية الثقافية لذهنيتين (العربية والغربية) عبر معاملة كل منهما للمرأة المبدعة والمفكرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى