اراء

اليابان معجزة ام عملٌ بإخلاص

بقلم/ أمجد السراي…

حالما تذكر اليابان حتى يتسارع الحديث عن كوكب او معجزة تقترن باسم تلك الدولة

نتيجة للتطور والثورة التي حققتها اليابان فيما بعد الحرب العالمية الثانية ١٩٤٥ نقول ثورة لما انطبقت عليه حالة اليابان في تلك الفترة وحتى اليوم من تغيير مستمر في المجالات كافة وهذه الصفة هي ابرز صفات الثورة، فاليابان هي دولة طبيعية كحال الدول الاخرى التي يتشكل منها العالم والاكثر من ذلك ان اليابان قبل التطور والنمو عالي السرعة الذي شهدته بعد الحرب العالمية الثانية كانت دولة تعاني اقتصاديا وكانت سمة العسكر تغلب عليها والفساد ينخر جسد الدولة بشكل قل نظيره حتى في الدول المصنفة كاكثر الدول فسادا ,فالمصالح الفئوية والرشوة والتناحر الحزبي والانقسامات المجتمعية وتصنيف المجتمع الى طبقات بعضها مرفه وهم قلة حاكمة بالقوة وطبقات مسحوقة اشبه بالرقيق حالهم منه الى المواطنين.

لم يتبادر يوما الى العامة لا سيما في اوطاننا العربية بان اليابان كانت تعيش اسوء من احوالنا فما يعرفونه هو اليابان الكوكب الاخر يابان المعجزة.

هكذا هو المجتمع العربي غالبا يصعب على حاله كل تقدم ويردم بفكره كل قنوات الامل ويستحسن ويستحب العيش في مدح الاخر المتقدم وابراز محاسنه دون الإفادة من تجارب الاخرين لا بل يصور انجاز الاخرين بانه معجزة ولا تتكرر وبالتالي يبقي نفسه في الحسرات والتمني دون العمل والايمان بالقدرات والطاقات المختلفة من شعب لاخر .

ان الشعوب العربية ميزتها ترى لكنها تستصعب ما ترى وتحيطه بهالة من المستحيلات..

لم تكن يابان اليوم سوى دولة فاسدة او دولة فاشلة في وصف نعومي تشومسكي فالدولة كانت تعكس سلطة القلة الجائرة المسيطرة لكن هذا الحال تغير بعد الحرب العالمية الثانية عندما ادرك اليابانيون حكاما وشعبا وجماعات وشركات بان الدولة التي لا تقهر قد قهرت وتلك كانت خرافة لابد من تجاوزها.

بعد عام ١٩٤٥شهدت اليابان الاحتلال الامريكي وفرضت عليها معاهدة فرساي بكل قيودها

هذه المعاهدة ربما تكون الشر الذي كان احد اسباب بناء دولة المعجزة بعقل الدولة العصرية…

فبعد هذه المعاهدة لم يكن هناك عسكرة للمجتمع ولا موازنات ضخمة تخصص لبناء القدرات العسكرية التي كانت محفز لليابان التوسعية ،اذ تكفلت الولايات والدول التي تدور في فلكها انذاك بامن اليابان ولفترة من الزمن رغم انها فترة لم تكن طويلة لكن كان لها وقع حقيقي في تغيير الرؤى التي تسير عليها الدولة

كانت اليابان كحال اي دولة يتغير فيها النظام او تنكسر في المعارك والحروب يتم ملاحقة شخوص النظام السابق بكل الوسائل والايداع بهم في السجون لاسيما اولئك الذين كانوا يحملون فكر الحرب ويدافعون عنه وما ساعد في ذلك الاجتثاث هو النقمة التي يحملها الشعب ازاء الحكام قبل الحرب نتيجة التعسف الذي مورس ضد الشعب والتجويع وعدم توزيع الثروات بشكل عادل بين افراد الشعب الياباني، هذا الاجتثاث ادى الى انقسام المجتمع السياسي الياباني الى مؤيد للاحتلال وسياسة الاجتثاث وهدفه التخلص من عسكرة الدولة والشروع في بناء دولة المؤسسات وطرف اخر يندد بهذه السياسة ويصف الذاهبين باتجاهها بالخنوع والتنكر للموروث الياباني.

اجراء الاجتثاث قل تدريجيا مع الزمن ومع تخلي رجالات الدولة السابقين للحرب عن فكرهم التوسعي ودعوتهم الى بناء اليابان بالشكل الذي لا يجعل ان تكون هناك حالة من التنكر والفجوة بين الجيل الناشئ وماضيه.

لذلك تم التخلي عن الكثير من سياسات الاجتثاث وتم دمج القوى القديمة في دعم بناء الدولة الجديدة.

كان اليابان منقسم سياسيا بين الاشتراكيين والليبراليين وهذا الانقسام ينسحب داخل الجهة الواحدة فلم يكن هناك حزب واحد او تكتل واحد رغم وجود المشتركات الكثيرة حتى عام ١٩٥٥وتأسيس التكتل الياباني الذي قاد يابان المعجزة(جمنتو).

كان هناك صراع مستمر بين الاحزاب على السلطة ولم تكن السلطة تستمر بيد حزب مدة طويلة لعدم وجود توافق حقيقي يجمع تلك الاحزاب والفصائل ولم تكن هناك معارضة موحدة ايضا كل ما كان  سائدا هو مانطلق عليه باللا دولة واللا مؤسسات بل اكثر من ذلك الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لخ..

لكن تصالح الشعب مع نفسه وتصالح القيادة مع نفسها واعتراف الجميع بانهم يتحملون ما آلت اليه اليابان كان البداية الحقيقية ليابان المعجزة…

فبداية بناء الدولة بدأ بالاعتذار لجميع الدول التي تسببت اليابان في اذاها يوما ما عندما كانت تحمل الفكر التوسعي..كذلك تصالح وتصارح بين الشعب والحاكم ولد الثقة التي كانت معدومة بسبب الفئوية في المصالح والاهداف وكأنما اصبحت اليابان امام تبدل وادراك لمتطلبات المرحلة وتطور العصر فبدل الاختلاف والتناحر حول مصالح ضيقة اصبح هناك مصالح عليا للدولة يتوحد خلفها الجميع ويعمل على حمايتها الجميع الكل يشعر ان تحقق تلك المصالح هو مكسب له ويعود عليه بالنفع وهي الحقيقة.

حددت الاهداف بمعزل عن العواطف والاندفاع والقرارات الارتجالية وتم الاستعانة بخبرة الدولة وخزينها الكامن وهم الفنيين والادارات الماهرة في الدولة لوضع الخطط لتحقيق تلك الاهداف فنتج عنه وحدة المصالح والجهود وسمو الاهداف فقد دعمت الشركات الكبرى تلك القرارات التي شعرت الشركات انها تصب في صالحها في النهاية هذا الدعم كان مقابله ان يرد صانع القرار الياباني ذلك الجميل بتشريعات تخدم اهداف تلك الشركات التي هي في الاساس اهداف الدولة والتي تتمثل في بناء اقتصاد قوي يحقق رفاهية الشعب الياباني كذلك في مقابل ذلك كانت الخبرات التي تمتلكها الدولة على مستوى الموظفين تنتقل الى الشركات بعد التقاعد من خلال توفير تلك الشركات للوظائف لهذه الفئة والبعض الاخر يدخل ضمن الاحزاب وبالتالي يشغل مقعدا في (الدايت)مجلس النواب

هذا التكامل في الادوار خلق فهما عميقا للحالة اليابانية وانتج اقتصادا ديناميكيًا قادرا على منافسة مثيلاته في العالم الغربي في فترة وجيزة جدا.

هذا التكامل ناتج من الادراك الحقيقي للحاجة الى اتباع السياسة الواقعية في التعامل سواءً داخليًا او خارجيا، ففي الداخل السعي وراء المشتركات كان عامل الحسم في توحيد الرؤى والقضاء على حالة التشتت التي تعيشها الاحزاب السياسية والتي كانت تنعكس على المجتمع، فجمنتو كان حصيلة أجتماع فصائل واحزاب سياسية تجمعها المشتركات ويوحدها هدف الوصول للسلطة والحفاظ عليها.

اما خارجيا فاصبح التعامل بالسياسة الواقعية هو الهدف المنشود،اذ اصبحت اليابان تدافع عن مبادئ القانون الدولي وتحث على الالتزام بالسلم والامن الدوليين كأسلوب لترسيخ فكرة اليابان المسالمة لتمحي من سجلها الدبلوماسي تلك النظرة التي تولدت لدى الدول عن اليابان التوسعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى