قنبلة خاشقجي: ماذا يريد بايدن من الرياض؟ وما هي خيارات ابن سلمان؟

بقلم/ علي عبادي…
تأخر أكثر من سنتين الإفراج عن التقرير غير السري للمخابرات الأميركية المتعلق بجريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول في تشرين الاول/ اكتوبر 2018. ولم تتضمن “العقوبات” التي أعلنتها ادارة الرئيس جو بايدن إجراءات محددة بحق ولي العهد السعودي، برغم أنها اعتبرته الراعي الرسمي لعملية الاغتيال من خلال القول ان الفريق المنفذ لم يكن ليتصرف على هذا النحو من دون العودة الى ولي العهد بالنظر الى إحكام الأخير قبضته على الاجهزة الامنية.
“مراجعة أميركية“
لنراجع أولًا الخطوات التي تمت حتى اليوم من قبل إدارة بايدن حيال المملكة السعودية:
– وقف تزويد السعودية، ومعها دولة الإمارات، بالأسلحة الهجومية والدفع باتجاه إيجاد مخرج ما للورطة السعودية المغطاة أميركيًا في اليمن.
– الدعوة الى اطلاق سراح الناشطين الحقوقيين في المملكة.
– وقف التواصل الأميركي مع ولي العهد السعودي وحصر الاتصال الرئاسي مع الملك سلمان.
– الإعلان عن مباشرة خطوات تدريجية، ولو مشروطة حاليًا، للعودة الى الاتفاق النووي مع ايران.
– والأهم ربما، إعلان القطيعة مع عهد ترامب في قضايا عدة، ومنها ما يتعلق بالتعامل مع السعودية، وصولًا الى الإفراج عن تقرير غير سري للمخابرات الأميركية يتناول تقييمها لجريمة اغتيال الخاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول ودور ولي العهد محمد بن سلمان في الجريمة.
كيف ستكون ردة فعل السعودية؟
بيدَ أن كل خطوة من الخطوات الأميركية أعلاه كافية لإغاظة الجانب السعودي الذي يشعر بخيبة أمل كبيرة منذ لحظة نهاية عهد ترامب الذي “استثمر” فيه ولي العهد السعودي مئات مليارات الدولارات من أجل تغطية سياساته المندفعة على غير صعيد. ذهب ترامب، وذهبت الأموال السعودية الى الخزينة والشركات الأميركية، وعادت المملكة السعودية مكشوفة الرأس إزاء أجندة أميركية تمثل امتدادًا لعهد اوباما. وأمام “لحظة الحقيقة” الأميركية، سيتعين على الحكومة السعودية أن تستوعب هذه المكاشفة غير المكتملة من خلال:
– التقليل من أهمية الإجراءات الأميركية والكلام عن أن القضاء السعودي قال كلمته في القضية.
– استثارة الحس الوطني لدى السعوديين لإعادة الاعتبار لولي العهد الذي تلطخت صورته في هذه الجريمة.
– الرهان على الوقت لتجاوز هذه المرحلة.
– تسريع العلاقة مع “اسرائيل” من أجل استخدام نفوذها في واشنطن لتلطيف التعامل مع ولي العهد السعودي. وبهذا المعنى، يصبح التطبيع (المستتر حالياً) ثمناً لتشريع وضع ابن سلمان في واشنطن.
– التلويح للأميركيين بأن الرياض تبحث عن بدائل عن السلاح الأميركي لدى الصين وروسيا مثلاً، من أجل دفع واشنطن لتخفيف وطأة انتقاداتها للأمير السعودي.
“احتواء ثلاثي”
لكن الحقيقة التي ينبغي أن لا تغيب عن البال أن أميركا لن تتخلى عن السعودية لأسباب عدة:
– النفط.
– العلاقة مع “اسرائيل” حيث يُرتقب أن تكون الرياض ركنًا أساسيًا للتطبيع وتشريع وجود “اسرائيل” في المنطقة، وهو محل اتفاق بين القوى السياسية المختلفة في واشنطن.
– الاحتفاظ بالسعودية ضمن أدوات العُدّة اللازمة للمواجهة الأميركية مع إيران وصولًا الى احتواء الأخيرة.
وجُل ما تريده إدارة بايدن أن تعيد الرياضَ الى صفوف الركاب بدلًا من أن تتولى السعودية قيادة الولايات المتحدة الى حيث تريد في المنطقة، لا سيما بعد أن أثبت ولي العهد السعودي تهورًا غير مسبوق في إدارة الشؤون الداخلية وضعفًا في الكفاءة حيال إدارة التحديات الاقليمية. كما تريد إدارة بايدن استباق أي اعتراض سعودي أو غير سعودي على العودة للاتفاق النووي مع ايران، وتبديد أية محاولة من الرياض وغيرها لتكبير حجم دورها بما يعكّر على الحكومة الجديدة إدارة هذا الملف من منظور أولويات أميركية مختلفة. وينبغي التوقف هنا عند نقطة مثيرة للانتباه وهي أن ادارة بايدن تعتمد “استراتيجية احتواء” ثلاثية للاعتراضات على الاتفاق النووي الذي تم التوصل اليه في عهد الديمقراطيين عام 2015. وتشمل هذه الإستراتيجية الى جانب السعودية، الإمارات و”اسرائيل”.
في الخلاصة، تهدف الادارة الاميركية الجديدة الى التخلص من إرث ترامب على صعد عدة وإعادة ضبط العلاقات الأميركية – السعودية على إيقاع أميركي صرف، لكن العدالة المنشودة توقفت عند محمد بن سلمان.
لنتذكر:
– أن جثة جمال خاشقجي لم يُعثر عليها أبدًا، ويرفض الجانب السعودي الكشف عن مصيرها.
– أننا أمام تقرير أميركي غير سري، ما يعني أن الإدارة الأميركية فضلت إبقاء حقائق سرية قيد الكتمان لغاية الحفاظ على العلاقات مع السعودية والاحتفاظ بولاء الرياض.
– أننا أمام إجراءات هزيلة بحق الضالعين في الجريمة، فعدم منحهم تأشيرات دخول الى الولايات المتحدة هو أضعف الإجراءات في ترسانة “العقوبات” الأميركية الضخمة، وقد اكتفت واشنطن بالعقاب الأضعف.
– تم إبعاد الكأس المُرّة عن ولي العهد، برغم أن الرسالة المعنوية وصلت.
– من المهم ملاحظة تأثير هذا الموقف على مواقف الدول الأوروبية والمجتمع الدولي حيال ولي العهد السعودي الذي سيبقى في كنف أبيه ما دام الأخير حيًا.
يبقى السؤال: ماذا سيكون حال محمد بن سلمان بعد الملك الحالي؟ هل سيتم التغاضي عن ماضيه وتطبيع وضعه على مذبح المصالح الإستراتيجية الأميركية، أم أن في بال واشنطن إعادة فتح مسار الخلافة في المملكة السعودية، وهو أمر غير متيسر حاليًا بعد تحطيم ابن سلمان كل البدائل المحتملة؟



