اراء

هل تعرقل “إسرائيل” العودة إلى الاتفاق النووي باعتداء على إيران؟

بقلم/ شارل أبي نادر…

 

أصبح من شبه المؤكد أن الرئيس الأميريكي جو بايدن اتخذ قراراً بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وهو الآن يعمل على إيجاد المخرج الملائم بشكل لا يظهر أنه تراجع، وبأنه سوف يطبق التزامات الإدارة الأميريكة حسب الاتفاق لناحية إلغاء العقوبات على إيران، قبل أن تعود الأخيرة إلى التزاماتها كما تطالب.

هذا المخرج لعودة بايدن إلى الاتفاق بدأ يتمظهر عبر اتجاهين:

أولاً، من خلال إلغاء طلب كانت تقدمت إدارة ترامب سابقاً من الأمم المتحدة بإدراج إيران على اللائحة الدولية للعقوبات، بسبب تخفيف التزاماتها ببنود الاتفاق المذكور وخاصة في موضوع تجاوز نسبة تخصيب اليورانيوم عن الحد المسموح به حسب الاتفاق.

وثانياً، من خلال إعلان موافقته على المشاركة بمفاوضات دبلوماسية برعاية مباشرة من الاتحاد الأوروبي وبمشاركة مجموعة الدول (5+1) مع إيران من أجل عودة الجميع إلى الاتفاق النووي.

على المقلب الآخر، هناك “إسرائيل” التي  تخشى هذه العودة الأميريكة المرتقبة للاتفاق، والتي كانت الطرف المؤثر الأول الذي دفع الرئيس ترامب للانسحاب من الاتفاق وفرض حزمة العقوبات الضخمة على طهران. هذه الخشية الإسرائيلية نقلتها وسائل إعلام صهيونية عن مصادر رسمية بحيث أشارت صحيفة “كان” من بين عدد من المواقع الإسرائيلية إلى أن “إسرائيل” تعتقد أنها يجب أن تكون مشارِكة في إبرام أي اتفاق جديد مع إيران، بالرغم من أنها تجد (أي “إسرائيل) أن ذلك سوف يسبب لها إزعاجاً كبيراً كون رفع العقوبات من شأنه أن يسمح لإيران بتعميق سيطرتها على كل ما هو مرتبط بالشرق الأوسط.

في هذا السياق أضاف السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة جلعاد إردان قائلاً إن “إسرائيل قد لا تتشاور مع الإدارة الأميركية الجديدة بشأن خطواتها للعودة إلى الاتفاق النووي”.

كيف يُفسّر الموقف الإسرائيلي هذا؟

“إسرائيل” لا تؤيد عودة واشنطن إلى الاتفاق وترى أنه من المستحيل أن يضمن منع إيران من العودة إلى الأنشطة النووية التي تؤدي إلى امتلاكها قنبلة نووية أو أكثر، فهل يمكن أن ترضخ تل أبيب بما هو حاصل قريباً في موضوع العودة إلى الاتفاق وإلغاء العقوبات عن إيران؟

إن ذلك من منظور إسرائيلي يحمل فرصة ذهبية أخرى لإيران لتثبيت نفوذها أكثر في المنطقة والإقليم، خاصة بعد أن استطاعت الصمود في أصعب مرحلة من العقوبات والضغوط عليها، وخرجت أقوى عسكرياً واقتصادياً وعلمياً، فماذا سيحصل بعد تخلصها من العقوبات وعودتها إلى تصدير نفطها وغازها بالكامل وعودة العقود والصفقات التجارية الدولية معها، وخاصة مع الجانب الأوروبي المتلهف للسوق الإيرانية.

أيضاً من منظور إسرائيلي سوف تصبح إيران بعد العودة إلى الاتفاق في مكانة متقدمة جداً من كافة النواحي العلمية والاقتصادية والعسكرية، ومع كل هذه القدرات سوف تبقى إيران على موقفها المعادي لـ”إسرائيل”، وسوف تسعى مع محورها القوي إلى تدمير “إسرائيل” وإنهاء وجودها في الشرق.

هذا في الموقف السياسي والدبلوماسي الإسرائيلي، لكن “إسرائيل” لطالما أخفت موقفاً عسكرياً وأمنياً بالتوازي مع الموقف السياسي والدبلوماسي وراهنت عليه، وهي تعمل بشكل ثابت على تدعيمه وتمتينه للمحافظة أولاً على تفوقها العسكري مقارنة مع الدول المحيطة بها وعلى رأسها إيران وأطراف محور المقاومة، وللبقاء ثانياً على استعداد كامل تقنياً وعسكرياً واستخبارياً لتنفيذ اعتداءات نوعية ضد تلك الأطراف المعادية تتراوح بين ضربات محدودة جوية أو صاروخية، أو عمليات اغتيال، لتصل إلى اعتداءات واسعة قد تشمل عمليات جوية أو برية واسعة.

من هنا، وفي إطار تمتين موقفها العسكري تعمل “إسرائيل” حالياً على خطين:

– الخط الأول توسيع ترسانتها النووية، حيث كُشفت مؤخراً صور فضائية حديثة لموقع “ديمونا” للأبحاث النووية الإسرائيلية في صحراء النقب تظهر أعمال بناء جديدة تتضمن محطات لإعادة معالجة أنشطة نووية، إضافة إلى استحداث مبان أخرى قرب الموقع الأساسي، بحيث يُقدر اتحاد العلماء الأميركيين أن لدى “إسرائيل” نحو 90 رأساً حربياً مصنوعة من البلوتونيوم المنتج في مفاعل الماء الثقيل في ديمونا، في وقت تنتهج تل أبيب سياسة الغموض المتعمد بشأن ترسانتها النوويّة، من دون تأكيد أو نفي أية معطيات.

 

– الخط الثاني يتمثل بامتلاك القدرات التقليدية من الأسلحة والمعدات العسكرية المتفوقة والمتطورة، فقد كشف مؤخراً موقع إلكتروني عبري النقاب عن أن “إسرائيل” في طريقها للتسلح بأضخم صفقة في تاريخها، حيث صادقت اللجنة الوزارية الإسرائيلية على الخطة الأضخم لتسليح جيش الاحتلال بتكلفة تصل إلى أكثر من 6 مليارات دولار، وذلك كبند أساسي من خطة التسليح التي تقدم بها وزير الحرب بيني غانتس. وتشمل الصفقة العسكرية تزويد جيش الاحتلال بسرب جديد من طائرات “إف 16″، وشراء أربع طائرات للتزود بالوقود من طراز “بيغاسوس” من نوع “كيه سي 46” للمهام بعيدة المدى، وهي الطائرات التي طلبها رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي، ضمن خطته المتعددة السنوات. وتضم الصفقة أيضاً منظومة “القبة الحديدية” المتطورة، فضلاً عن الجيل الجديد من منظومة الدفاع “حيتس 2″، وهو أكثر من الصواريخ الاعتراضية تطوراً والذي تعوّل عليه “إسرائيل” لحمايتها من الصواريخ الباليستية الإيرانية.

من هنا، نحن اليوم أمام المعطيات التالية:

أولاً: موقف سياسي إسرائيلي معلن رافض بقوة لعودة واشنطن إلى الاتفاق النووي وإلغاء العقوبات عن إيران.

ثانياً: موقف “إسرائيل” المتشدد لناحية عدم ثقتها بالتزام إيران بقيود الأنشطة النووية كما حددها الاتفاق النووي.

 ثالثاً: خلاف جوهري بين نتنياهو والإدراة الأميركية الجديدة التي كانت عرابة الاتفاق النووي مع إيران في عهد الرئيس السابق الديمقراطي باراك أوباما.

رابعاً: نتنياهو في وضع داخلي لا يحسد عليه في ما يتعلق بالانتخابات أو لناحية ملاحقته الجزائية على خلفية جرائم فساد واستغلال سلطة، الأمر الذي سوف يدفعه إلى الهروب عبر مغامرة خارج الكيان سيزعم أنها تهدف إلى حماية الأمن القومي لكيانه.

خامساً: وفي تحليل لما تضمنته صفقة الأسلحة التي وافق عليها الكنيست بسرعة يتبين أن “إسرائيل” تستعجل الحصول على أربع طائرات للتزود بالوقود من طراز “بيغاسوس” من نوع “كيه سي 46” للمهام بعيدة المدى، وهذه المهام البعيدة المدى لن تكون حتماً في أوروبا أو في أفريقيا أو الصين أو في أي مكان آخر إلا في إيران.

وتبقى ردة فعل إيران ومحور المقاومة على هذا الاعتداء الإسرائيلي هي أساس اللعبة  والضابط الأكثر حساسية وصرامة تجاه القرار الإسرائيلي بتنفيذ هذا الاعتداء، فهل تتسرع وتغامر تل أبيب بخطوة مجنونة مثل هذه، فتعطي إيران فرصة مشروعة لتنفيذ رد صاروخي  غير مسبوق داخل “إسرائيل” سيتجاوز حكما بتداعياته وبخسائره الضخمة، كل تأثيرات ونتائج  قنبلة نووية عادية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى