المرجعية الدينية وولاية الفقيه
ناصر جبار سلمان
المرجع الديني هو من ترجع إليه الأمة في أمورها العبادية والمعاملات , وهو أعلى الهرم الروحي يقوم مقام نيابة الإمام المعصوم (سلام الله عليه) منذ غيبته المقدسة عام 328 هـ وحتى يأذن الله تعالى بظهوره المقدس ليقطع شأفة الظلم , ويحيي الدين ويقيم المعطلة من حدوده ويؤسس لبناء المجتمع العالمي السعيد .
وبما أن الإمام المعصوم قد عرف المرجع الديني بالمواصفات ورهن استحقاقاته لبلوغ هذه المنزلة بمقومات أربع هي :-
” من كان من الفقهاء صائناً لنفسه , حافظاً لدينه , مخالفاً لهواه , مطيعاً لأمر مولاه , فعلى العوام أن يتبعوه “
وبمقتضى قول أمير المؤمنين ” سلام الله عليه “
” ميدانكم الأول أنفسكم , فإن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر , وإن عجزتم عنها كنتم على غيرها أعجز “
وربطاً بما قدم الإمام المعصوم من ضمانة بقوله :
” من أصلح ما بينه وبين الله , أصلح الله ما بينه وبين الناس ” يشي ذلك بأن للمسألة بعداً ربانياً , وإنها توفيق إلهي قبل كل شيء , ولا ينال ذلك المقام بالتمني ولا بالتصنع ولا بكثرة الأنصار ولا بالاستعانة بالسياسة أو العرقية أو المناطقية ويكون من الطبيعي جداً لمن أصبحت المقومات ملكة عنده , اتصافه بالزهد والورع والتقوى , والابتعاد عن البهرجة والاستئناس بالمدح .. والاستقلال عن السلطان .. وعدم الرغبة في التسلط ..وكان كل ذلك وراء إجلال الأجيال لمقام المرجعية والركون إليها , والامتثال لأوامرها , لاسيما في الظروف الخطيرة والحساسة , للاعتقاد بصدق تعبيرها عن جوهر الدين .
وتوحي الأحاديث النبوية الشريفة التي تبين خطورة دور كبار علماء الدين في مجتمعاتهم ” العلماء أمناء الرسل ” .. ” العلماء حكام على الناس ” ما يدل على سلطة الفقيه في المجتمع وهو ما سمي اصطلاحاً ” الولي الفقيه ” فهناك وجهتا نظر في هذا المجال , فمن العلماء من يرى ولاية الفقيه بمساحتها الضيقة ” الولاية على أمور الحسبة .. وولاية المرجع لمن لا ولي له , فيما هناك رؤية أخرى ترى ضرورة إيجاد الولي الفقيه لحكومة ليست مطلوبة بذاتها بطبيعة الحال , وإنما هي وسيلة لتحكيم الإسلام في حياة المجتمع بشكل عملي , ولتحرير المجتمعات من تسلط الظالمين على مقدراته , وكان الشهيد الثاني زين الدين العاملي الذي اغتالته السلطات العثمانية في القرن الثاني عشر الميلادي , صاحب كتاب اللمعة الدمشقية أول من دعا بوضوح لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع , وكذلك الشيخ النراقي صاحب كتاب جامع السعادات , ومن المعاصرين كان الإمام الخميني (قده) والإمام الشهيد محمد باقر الصدر (قده) والإمام الخامنئي (دامت بركاته) .. لاشك بأن فضل الولي الفقيه الإمام الخميني (قده) على حَمَلة الفكر الإسلامي المعاصر لكبير جداً .. فقد وضع حداً لجدل كان يدور بلا نهاية حاسمة في أفق الرأي القائل ” بفصل الدين عن السياسة ” فأثبت عملياً مقولة ” سياستنا عين ديننا , وديننا عين سياستنا ” و أرسى دعائم نظام إسلامي متحضر في آلياته من حيث إجراء الانتخابات في مواعيدها الدورية المحددة , فعادت جميع الأقليات ممثلة في سلطة البلد التشريعية بما فيهم اليهود والصابئة والمسيحيون وسواهم .. وأمسى منصب رئاسة الجمهورية متدوالاً ما بين المرشحين حيث تجرى الانتخابات كل أربع سنوات . كما أن فضله على الأمتين العربية والإسلامية أكبر .. حينما اعتمد نهجاً لا يقبل المساومة داعياَ إلى تحرير الشعوب من الهيمنة الأجنبية , وعدّ قضية تحرير فلسطين إحدى مواد الدستور .. وجعل من إيران الإسلام قلعة لدعم المقاومة الفلسطينية , كما اثبت لياقته الفكرية والقيادية بما صنع من نخب عقائدية واعية نجحت في جعل الإسلام أمراً واقعاً على الأرص طرح نفسه كفكر مستقبلي للعالم , بعد ما فشل مناوئوه من شيوعيين بسقوط الإتحاد السوفيتي ومن رأسماليين لافتقاد اطروحتهم للبعد الإنساني في التعاطي مع الشعوب , بل بدت قوة غاشمة ارتبطت مصالحها بإثارة الأزمات في العالم , والاستهانة بكرامة الإنسان متى ما اقتضت مصالحها ذلك .
قد يثار تساءل عن سر استجابة أبناء الطائفة الشيعية بشكل خاص الطوعية لفتوى المرجعية الدينية العليا في مواقف حساسة معينة , بما لم يبلغ أي نظام أو حزب سياسي شدة ذلك التأثير .
إنه ليس سوى الثقة المطلقة بورع وتقوى وزهد المرجعية الدينية , والإيمان بتجسيدها لجوهر الإسلام , ولعل تاريخنا المعاصر قد شهد مواقف عديدة تؤكد هذا المعنى ,, من قبيل استجابة الجماهير لفتوى المرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي عام 1896 م بتحريم التدخين والتي سميت بثورة التنباك فنجحت في إفشال الشركات البريطانية وإجبار الشاه عباس الكبير إلى إلغاء المعاهدة معها .
وكذلك استجابة الشعب العراقي لفتوى المرجع السيد كاظم اليزدي عام 1914 م لمقاومة الاحتلال الانكليري .. ومن ثم ثورة العشرين العارمة ضد الوجود البريطاني بفتوى الميرزا محمد تقي الشيرازي .. وكذا فتوى الجهاد الكفائي للإمام السيستاني ضد الهجمة الداعشية ولولاها لسقطت بغداد ومحافظات أخرى ..
إن ما عليه الإمام السيتاني من زهد موصوف وتقوى عالية , أهلهُ لأن يتسامى على ردود الأفعال في التعامل مع الأحداث الطائفية وما لحق بالشيعة بشكل خاص من استهداف , ومع ذلك احتوى القلب الكبير كل أبناء الشعب العراقي بشكل يستشعره السني والشيعي بل حتى أبناء الأقليات الأخرى .
وما عليه الإمام الخميني (قده) من ورع وتقوى وزهد حيث جمع بين المرجعية والسلطة .. لكنها لم تغير في منهجه التربوي والأخلاقي قيد أنملة .. فقد قضى سني حكمه الثماني حتى وفاته (رحمه الله) مستأجراً لبيت صغير ذي غرفتين إلى جانب حسينية جامران المستأجرة أيضاً , كمكان لاستقبال الوفود الأجنبية والوفود الشعبية معاً , وقد أذهلني حديث أحد الأخوة الثقات ممن أطلعوا عن كثب على وضع قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخامنئي (دامت بركاته) قال إن هذا القائد يسكن بيتاً صغيراً غاية في البساطة وإن أبناءه الأربعة من طلبة الحوزة قد أستأجروا بيوتاً مع عوائلهم على حسابهم الخاص .. ومع أنهم في غاية التواضع والأدب فقد حرّم الإمام الخامنئي عليهم العمل في مكتبه الخاص و أوجب على أبنائه عدم التدخل في شؤون مسؤولي المكتب مطلقاً .. وأضاف صديقي .. هل تعلم بأن الإمام الخامنئي لم يتسلم من الدولة ريالاً واحداً , كراتب لقاء منصبه الرفيع كقائد للدولة الإسلامية , وإنما يتقوت وعائلته بما يستحصله من إيجار بيته القديم في جنوب طهران . فاستحضرت قول الإمام علي (عليه السلام) ” من أصلح ما بينه وبين الله , أصلح الله ما بينـه وبين الناس ” والعاقبة للمتقين .



