“كفي على الباب”الفرقة والخلاف يؤديان الى التمزّق والضعف والهوان

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد المصري محمد وجيه خويلد ان قصيدة “كفي على الباب” للشاعر وليد جاسم الزبيدي تجسد الفرقة والخلاف اللذان يؤديان الى التمزّق والضعف والهوان، مبينا ان الشاعر برع في استخدام الرمز ليُعبّر فيه عن تجاربه ومشاعره وأفكاره رامزاً لذاته من جانب آخر، كناقوس يقرع آذان أخوة الدم والوطن والمصير.
وقال خويلد في ورقة نقدية خص بها (المراقب العراقي) ان الخيال الشعري يتجلى ، حين يبرع الشاعر في استخدام الرمز كمذهب أدبي فلسفي، يُعبّر فيه عن تجاربه ومشاعره وأفكاره، ورغم كونه مذهبا فرنسي النشأة، إلا أن استخدمه شعراء العرب في العصر الحديث، مما أضاف للغة العربية طلاوة مميّزة وأضفى عليها نكهة خاصة، تزداد بها أجمل صور البيان بيانا، وتزدان بأفخم حُلل البديع بهاءً.
واضاف : لقد برع الشاعر الزبيدي في توظيف الرمز، فكان التحاور بين كلمة ( الدار) في مفهومها الدال البسيط رمزاً للأهل والأخوة والصحبة والأحباب، والأرض والوطن والتراب من جانب، وكلمة (كفّي) رامزاً لذاته من جانب آخر، ناقوس يقرع آذان أخوة الدم والوطن والمصير ولقد كان للصمت رغم قسوته والذي شاب هذا الحوار فلامجيب! عميق الأثر ليموج في صدر الشاعر شجونا فجاءت الأبيات وليدة الصمت ترانيم مجدٍ حفّت به المخاطر وشدو حاضرٍ أحدقت به الخطوب.
ياساكن الدار كن صوتا لا وجعا
أقسى من الصمت في الأرجاء إذ يشدو
وقد جاء لفظ (كفّي) مكررا لكن بصور مختلفة متعددة تتالت مع الأبيات :
كفّي على الباب هل سمْعٌ وهل ردُّ؟
ياساكن الدار قد أضنى بنا البُعد.
وتابع : لقد أضنانا البُعد والفرقة والخلاف، لنعيش مانحن فيه من تمزّق وضعف وهوان، يدفعه للحديث إلى (ساكن الدار) تطلعه وشوقه وحرصه العودة إلى زمن الأمن الذي عشناه والأمان الذي فقدناه كفّي يُحدّثُ عن شوق يُكابدني
كفّي تعلق فوق الباب شاهدة
وتابع: ستظل كفّه مُعلّقة في مُعلّقتِه على الأبواب شاهدة علينا، تستصرخنا اليقظة مما نحن فيه من سُبات وشتات، نعم مُعلّقة كتميمة حب يملأ خافقيه، ولكن بقدر هذا الحب صار ألمه موغلا في الصدر، يذّكرُ روعة أيام خلت حيث دفء الوصل هو كنف حضارة ماضينا التليد!
كفّي تميمة عشق أورقت ألما
والصوت بح ونيران لها وقد
واستطرد :ثم طفق يُذكّرنا بحكايات عبقة كانت تملأ الدار، حيث البهجة والألفة والأُنس الذي كان يسكن عتبتها، والودّ الذي تفيئ الظلال، حيث أثّ همس الهوا ونجوى الهيام على الشبابيك غصونا يانعة تنطق بالنضار.
واوضح :لم تكن الصور التي جاءت سلسة سهلة المعاني دون ضبابية كثيفة من اللفظ تعيق الفكر لفهم ماوراءه، كما يفعل بعض رواد الشعر العربي المعاصر، بل جاءت رمزيتة كردّة فعل ضد الرومانسية( مذهب التعبير عن الذات) والبرناسية ( مذهب الأدب كغاية في حد ذاته الفن للفن) تعالج قضايا سياسية واجتماعية، مُلمّحا إلى ما يغلي في صدورنا جميعا تجاه أحداث واقعنا العربي الآني من فرقة وشتات وهجرة وضياع.
ياصاحب الدار كم مرت بنا محن
كنا إليها وفينا اليوم تحتدُّ
ويختتم القصيد مطلقا الخيال لتأويلات عديدة، تاركا المجال للمتلقي مفتوحا فلا اختلاف يفرقنا فالغاية واحدة رغم تخبطنا، والمقصد واحد رغم الخلافات التي تضطرم نيرانها ( كل الدروب متاهات لها قصد)!
ومضى الى القول : ستظل كفّه ولاتزال ( كفّي تسمّر) تقرع الأبواب الموصدة فينا، لكنه يترك لنا باب تراسل الحواس على مصراعيه مشرعا، يشرق من خلاله فجر أمل جديد.
علينا أن نجيبه لاننتظر، لاسيما والحب يملأ القلوب والأشواق لحياة حرة كريمة ممتدة لاتنتهي.
يكفي انتظارا فما في الدار من رصد
كل الدروب متاهات لها قصد
ياوحشة الدار في ترحال أزمنة
كفّي تسمّر والأشواق تمتدُّ
وختم مخاطبا الشاعر :تحيتي أيّها القلب الكبير المملوء بالحب شاعرنا الجميل، ووقفة إجلال لتلك الأشواق الأصيلة التي كانت كالدعاء أوله رجاء وآخره عطاء نظمت فأبدعت، ونشدت فأبلغت،لاجفّ مدادك.



