“ليل الرصاص” الشعب الضعيف حينما تسحقه رغبات وحروب السلطة الصدامية

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد محمد كتوب المياحي ان في قصيدة “ليل الرصاص” للشاعر عمار كامل داخل ابيات هي بمثابة كناية عن الشعب الضعيف حينما تسحقه رغبات وحروب السلطة الصدامية.
وقال المياحي في ورقة نقدية خص بها (المراقب العراقي) :لو اننا استقرأنا نص قصيدة ( ليل الرصاص ) , لأستوقفنا مستهل النص , اذا بدأه الشاعر بقوله :
( يا ايها المتوحش )
( يا هيكلٌ متحجرٌ من غير روح )
ولم تتوقف نعوت المنادى عند هذا الحد , بل نلتقط له اشارات أخرى منها :
( صلبانك السود تلتهم الشواطىء كالجياع )لكن مع ذلك ومع وجود سيميائيات كثيرة متعلقة مع صفات المنادى الذي شكل الوحدة الموضوعية للقصيدة , لكنه يبقى مبهم عن المتلقي , وهنا تتدخل وظيفة العنوان والتي عدت هنا ( عتبة نصية ) لفتح مغاليق النص لانه يشكل مستوى ايقوني دلالي مشيرا الى (الم التسلط والاجحاف وويلاته) وعليه يكون هذا العنوان المدخل الى موضوعية القصيدة ليغدو بعد ذلك كمشكاة تضي دهاليز النص .
واضاف:ان البنية الموضوعية للسياق متمظهرة تحكي وجع الشاعر والمه من ويلات السلطة وما يترب عليها و التي لا تنتهي فرسم لنا بعض صورها المؤلمة على طول نصه ( من رفات الراحلين …الموت يلمع في العيون .
وتابع :وقد اجاد الشاعر عمار حينما جاءنا بعنوان ( ليل الرصاص ) , ينتمي العنوان تركيبا شكليا لبناء (الجملة الاسمية ) وبصيغة التركيب الاضافي , فلفظة ( ليل ) نكرة مبهمة تم اضافتها الى المعرفة ( الرصاص ) وهي اضافة محضة خالصة كاشفة بؤرة النص ووحدة موضوعه , ( ليل ) بنية زمنية توحي الى السوداوية , اذ انه محطة الاوجاع ,وشاهد على قلق الشاعر وما اخذت منه ويلات السطلة الظالمة كونه ابن بيئة سقيت كاس مرارة الطغاة بشكل لافت ومن هنا اصبح العنوان يشكل كفة تعادل السياق باكمله وهذا واضح من تحليل ابيات القصيدة .
وبين: فيما يخص ( البنية البلاغية ) هنا ساكتفي ببعدين :
الاول : ( التوظيف الاستعاري ودوره الدلالي )
الثاني : ( الطاقة الجمالية الانزياحية ودورها في اغناء الفكرة )
فيما يخص ( التوظيف الاستعاري ودوره الدلالي ) , نشير الى ان القصيدة بل الديوان برمته اتشح بهذا التوظيف البليغ وهو بحد ذاته حرفية وفنية تستلزم المخيلة الفارهة , ولعل اول توظيف يواجه المتلقي قول الشاعر ( ايها المتوحش ) وهنا شبه االشاعر هواجسه القاسية واماله الضائعة بسبب الحاكم المتسلط بالوحش الكاسر متخذا من نتائجه المحفز التي اشار لها رمزيا ( التهام الشواطيء , الجياع , بقايا الفتات , الموت , حصاد الانفس , الموت البراق , النصل في الجسد الوجوم …الخ ) هذه الالفاظ وردت في الابيات كنتيجة لرحى الظلم التي اكلت الحرث والنسل في العراق , فوردت الاستعارة هنا نتيجة لمتشابهات لان الاستعارة ( تشبيه حذف احد طرفيه ) وكانما يقول ان الحاكم الظالم المتسلط يشبه الوحش الكاسر متحجر القلب خاليا من الاحساس والعاطفة , وهذا ما اشارة له قباني في قوله :
اخطاؤك الصغرى امر بها
واحول الاشواك ريحانا
لولا المحبة في جوانحة
ما اصبح لانسان انسان
هذا التجرد من النمط الخلقي وتبني السلبيات عند الحاكم افرز لنا هذا الملمح البلاغي , ولعله هو سمة لافتة في الشعر الحديث , وهنا تكمن اجادة الشاعر الحديث , وتكون الاستعارة انضج حينما ( تكون الاستعارة المسار الخطابي الذي يتم بمقتضاه اعادة تشكل الواقع في الجمع بيت المنفصلين في علاقة ادراكية انفعالية ) وهذا ماذهب له ( ماكس بلاك ) في كتابه (النماذج والاستعالات ) , وهو ما نلمحه في نص ليل الرصاص اذ شبه المتناقضين ( الظالم ) بالوحش لرسم صورة واقعية الحياة معيشة .
كما ان الشاعر وفي ذات السياق يرسم لنا صورة اخرى استعارية للبحث عن الأمنية الضائعة ورحيل الأحلام المتلاشية المتمثل في قوله :
(مذ غادرت سفن الرجاء رصيفها )
وكذلك قوله :
( فتشيخ حتى الامنيات
في بركة الياس الكبير).
واستطرد:أما (( الطاقة الجمالية الانزياحية ودورها في اغناء الفكرة ) , فمن المتعارف في ساحة النقد الخروج عن التشبيه باتيان تشبيه جديد وغريب هو تكفيث لوظيفة الانزياح ومن ثم لثراء الفكرة وطرحها بنسق جمالي فني , فحينما يريد الشاعر رسم وصف للسلوك الظالم وتصرفاته الشاذة تجاه الشعب مع ادعاءه تبني الجانب الانساني الكاذب من خلال اتشاحه بزي الايمان يستدعي لازمة من لوازم ذلك التبني كاشارة رامزة وهي ( الصلبان السوداء ) وقد زاد الانزياح رونقا حينما حول المعنويات الى محسوسات ( تلتهم الشواطىء كالجياع ) , وتستمر البنية الانزياحية في النص متكا على تراكم الانزياح وتعاضد التشبيهات ليدخلنا في عالم الثورة حيث العواقب الوخيمة التي لابد ان يدفعها الثار يقول :
غضب الاصابع حين يلفظها الرغيف
يحبو كما الموت البطيء
يطوف الازقة كالسنابل
في الحصاد
وهنا نجد تداخل الصورة الشعرية فنجد لفظة ( غضب الاصابع ) دلالة على رفض الظلم ورغبة الخلاص , والنتائج المتوقعة اذا الموت المحقق الذي ينسل بحركة تشبه حركة الطفل ( يحبو كما الطفل البطيء ) والموت في فلسفلة الشاعر متشعب في كل الاماكن كانه شبح يلاحق الشعب المتذمر بدلالة لفظ ( يطوي الازقة ) ثم تتداخل الصورة الانزياحية مرة اخرى ليشبه بالفلاح حين يحصد السنابل , بالموت عندما يحصد الارواح , لم ينته وصف الموت عند الشاعر عند هذا السياق , بل حاول جاهدا من ملامسة ذائقة المتلقي لذا رسم للموت صورة اللمعان داخل عيون البشر ففي نص يقول :
الموت يلمع في العيون
كالنصل في جسد الضحايا
كالمرايا
ولعلل اجمل ما جادت به انامل شاعرنا في القصيدة من انزياح نصه القائل :
وحوافر الخيل الكبيرة
حين تسحق اضلع العشب البريء
عندما نستقرأ هذا النص نجد ان الشاعر اجاد حينما استعار لازمة الاضلع وهي جزئية مرتبطة بالذات البشرية ليلحقها بالعشب الذي عده الشاعر عشبا بريئا , وهو كناية على الشعب الضعيف حينما تسحقه رغبات السلطة .



