اخر الأخبارثقافية

عبد الستار السكيني.. عندما يتحول الاغتراب من مجرد مسافة جغرافية إلى جرح غائر

المراقب العراقي/ ماجد حميد..

يأتي الحنينُ لتسكن الطيورُ أوكارَها الأولى بعد أن رحلت يوماً بلا ضجيج، لكن، كيف يكون الحال حين تكسر الغربة أجنحة تلك الطيور، وتبعدها قسراً عن مأواها، وتحرمها من “سمار” مدينتها وجمال أزقتها، وعيون ناسها؟ هنا يتحول الاغتراب من مجرد مسافة جغرافية إلى جرحٍ وجودي غائر، وتصبح “الطيور المهاجرة” أجساداً تلتحف ضباب العواصم الباردة، بينما قلوبها معلقة بنخيل دجلة والفرات.

في طليعة هذه الطيور التي حملت العراق في نبرة صوتها، وفي عذوبة كلماتها، وفي قيمها الأخلاقية العصية على الانكسار، يقف الباحث، والإعلامي، والشاعر العراقي عبد الستار السكيني (أبو فرح). رجل لم تزدْه العقود والمنافي إلا تجذراً في هويته، حتى اسْتُحقَّ أن يُوصف بالعبارة الأكثر دقة ونقاءً في تأريخه: “النبيل، الطيب العراقي المفرط في عراقيته”.

لم يكن الأستاذ عبد الستار السكيني نتاج مصادفة إعلامية، بل هو ابنٌ شرعي للحقبة الذهبية للتعليم العالي والثقافة في العراق. تخرّج في جامعة بغداد، متشرباً من حراك “جيل الرواد” الأدبي والفني. عاصر كبار المثقفين والشعراء، فصُقلت موهبته اللغوية وبُني مخزونه الوجداني مبكراً.

لكن الكفاءة الحقيقية للسكيني لم تتوقف عند حدود الشهادة الأكاديمية؛ بل تبلورت عبر “التثقيف الذاتي والممارسة الطويلة العميقـة”. هذا الثراء المعرفي جعل منه باحثاً، ومترجماً، ومُدقّقاً لغوياً طليعياً، يمتلك الكفاءة الكاملة لمراجعة أمهات الكتب الفلسفية، والإشراف اللغوي على أشد النصوص التأريخية تعقيداً وعمقاً.

وعندما التقت هذه الثقافة الموسوعية بامتلاكه خامة صوتية استثنائية (قرار دافئ ورخيم)، وُلد الإعلامي والمذيع والمعد الذي يسكب من روحه وإحساسه في الميكروفون، محولاً المادة النخبوية الجافة إلى خطاب جماهيري دافئ يمس القلوب.

ارتبط خروج السكيني من العراق بظروف سياسية معقدة؛ فمع صعود نظام البعث وهيمنته الكاملة على السلطة نهاية السبعينيات، والتضييق الصارم على الحريات الثقافية والإعلامية، اجتمع الحزن وخيبة الأمل وتحطمت أحلام جيلٍ بأكمله كان يتطلع لوطنٍ حر وشعبٍ سعيد. غادر السكيني البلاد مرغماً، حاملاً معه غصّة الذكريات المُرّة.

تنقلت هذه الطيور المهاجرة في تغريبتها بين ثلاث محطات رئيسة وهي: الكويت (السبعينيات والثمانينيات)، وشكّلت انطلاقته العربية الكبرى، حيث انخرط في مجتمع المبدعين، وقدّم برنامجه الإذاعي الشهير “بقايا الليل”؛ ذلك البرنامج الذي تحول بصوته وانتقائه الرفيع للنصوص الوجدانية والموسيقى الهادئة إلى “صديق الليل المتأخر” للمستمع الخليجي والعربي. والإمارات (أبوظبي): حيث قاد مشاريع توثيقية وثقافية كبرى. و(لندن): التي استقر فيها منذ عقود بفعل تداعيات حرب الخليج والحصار الاقتصادي في التسعينيات. ومن هناك، من فوق رصيف الغربة، انحاز السكيني إلى خطه الفكري المستقل، مسخراً قلمه في الصحافة العربية لنقد الدكتاتورية وتوثيق عذابات المناضلين والمبدعين المبعدين.

تتعدد أبعاد المنجز الثقافي للأستاذ عبد الستار السكيني، لعل أبرزها: أمير الإلقاء وصاحب الحنجرة الوجدانية: شهد له رفيق دربه الشاعر الراحل كريم العراقي مذهولاً بـ “الإلقاء الذي يصل حد السحر”؛ حيث ذكر أنه حين استمع للسكيني يلقي قصيدته الشهيرة (غريبة تصير ضدي) شعر بأن السكيني منح القصيدة “حياة ثانية” وتفوق بها على إلقاء الشاعر نفسه.

حظي بثقة وتكريم المؤسسات الثقافية الكبرى، وعلى رأسها (المجمع الثقافي في أبوظبي)، حيث أدار وأشرف على مشروع “الكتاب المسموع” أواخر التسعينيات. وبجرأة معرفية، قاد تحويل عيون الفلسفة العالمية والسياسة والأدب (مثل كتاب “الأمير” لميكافيلي، ودواوين نزار قباني) إلى مواد مسموعة بأعلى المعايير اللغوية والفنية لكسر احتكار الورق.

لم تلوث الغربة في السكيني وفاءه الإنساني؛ وتجلى ذلك في علاقة الأخوة العميقة التي ربطته بالفنان العراقي الكبير قحطان العطار. عاش كلاهما المعاناة والملاحقة ذاتها، وتشاركا مشاعر الشجن والارتباط الوجداني بالوطن.

يبقى عبد الستار السكيني نموذجاً حياً للمثقف العراقي المستقل، الذي لم يبع قلمـه أو صوتـه في أسواق الصراعات الضيقة، بل ظل يرى أن دور الإعلامي يكمن في التنوير ونقد السلطة وتوثيق الحقيقة من مسافة موضوعية جادة. ورغم أن “قلوب الطيور المهاجرة” بقيت بين يدي الغربة لا تُمْسَك بقوة كي لا تموت، ولا تُتْرَك كي لا تنكسر إلا أن “أبو فرح” استطاع أن يحول ألمه الشخصي واغترابه إلى منجز ثقافي وإنساني خالد. لم تتغير لهجته البغدادية الدافئة، ولم تنطفئ جذوة حبه لوطنه؛ فظل وسيبقى في الذاكرة الجمعية للإعلام العربي والعراقي، ذلك الطائر النبيل المفرط في عراقيته وابن مدينة الصدر “الثورة” البار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى