الوسطية بين الترهل والضمور
جواد العبودي
المُجتمعات المُتحضرة في كُل أمصار العالم هي من تحترفُ أحقية الترتيب في سُلم الواقع المُتطور الذي يفرضُ عليها أن تضع الآرستقراطيين في أولويات الهرم المُجتمعي ثم الوسطيين فالفُقراء الذين يعيشون حياة البؤس والكفاف وهذا التسلسُل والرتابة هما سُمتان من سُمات المُجتمعات والشعوب الراقية حسب ما هو مُتعارف عليه اليوم في أغلب دول أوروبا الغربية ولم يكُن ذلك جُزافا أو محض صدفة عابرة إنما حصل ذلك أبان الثورة الفرنسية العارمة في القرن الثامن عشر الميلادي والتي اُعدم فيها الشاعر الفرنسي الكبير (فولتير) بعد أن تحررت أوروبا برمتها من نظام الكنيسة إلاستبدادي الذي كان سائداً ذلك الوقت الذي كان يحكُم الشعوب بالنار والحديد وإراقة الدماء وتقديم الابرياء قرابين يومية متى ما أراد الحاكم وحاشيته وجعل الناس عبيد أقنة يتحكم بمصيرهم على هواه وإشباع رغباته الدموية كيفما يشاء ولكن المُشكلة التي كانت مُعقدة وجاثمة على صدور الشعوب من جراء قوانين الطُغاة والجبابرة إنسلخت عن ثوبُها المشؤوم هذا وإندرست كل معالم الكنيسة ووحشيتها وتبخرت كل القوانين الوضعية ادراج الرياح بسقوط جلاديها وتنفس الناس الصُعداء برغم الفُقر المدقع وتقشف الاقتصاد العالمي حينها بسبب ويلات الحروب وإستبداد الطُغاة ومن حولهم حافظ ألارستقراطيون على صدارتهم للولوج في مسك الثروات بشتى أنواعها بسبب ما يمتلكون من أموال طائلة وخزين لا ينضب من الميراث والاستحواذ على ضخامة المشاريع لقربهم من الحكام والملوك وكذلك لاعتبارات المحسوبية والمنسوبية وما دُمنا بصدد الحديث عن التوازن الطبقي في المجتمعات الغربية وغيرها من الدول المُتحضرة كما يقولون لا بُد أن نعرجُ اليوم للحديث عن الطبقية في المجتمع العراقي الكريم وهمومها بدءا من الارستقراطيين الذين يمتلكون حصة الاسد في كل المُجتمعات وليس من الانصاف ألا نتحرر من إدرانات المصداقية للحديث عن التمايز الطبقي الواضح بامتياز في مجتمعنا العراقي الكريم اليوم فلا وجود للوسطية إطلاقا فهذه الطبقة المُهمةُ في المُجتمع العراقي الجليل أخذت بالضمور تدريجيا منذُ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي بسبب ما أفرزتهُ السلطة الحاكمة من أنموذج سلطوي جائر من المُقربين وبعض منافقي السياسة وعمالقة التلون في شتى المجالات وتهميش الكثير من اطياف المُجتمع الوسطي بطريقة أو أخرى وقد إنعكس هذا سلبا على ابناء تلك الشريحة من المجتمع بوضوح بعد سقوط الصنم القذر في أذار من العام 2003 حيث أفرزت الاحداث السياسية في العراق الكثير من الاستقراطيين وبأعداد هائلة غير مسبوقة أو موجودة في أقوى دول العالم إلاقتصادية بسبب شح العقول الاقتصادية العراقية وهجرة الكثير منها خارج الوطن وإستحواذ رجالات القرار السياسي على خزائن وعائدات آنية نفطية أنفجارية غير مسبوقة تقاسمتها الاحزاب المُتنفذة وقريناتها بنسب عالية الفولتية لا يُمكن إحصاؤها بين يوم وليلة عند المُتسلطين والمُقربين وبروز مافيات بالجُملة تحتمي تحت ظل القانون تمتهنُ السمسرة البترولية ورفع الكارت الاحمر في وجه كل من يقفُ في طريقها حتى ظهر جليا إندثار بل إنهيار الطبقة الوسطى في المُجتمع بعد إستفحال الضمور الاقتصادي فوق جسدها المُتداعي أصلا وهي التي مازالت تئنُ من جراحاتها التي لم تندملُ بعد فأصبح المجتمع العراقي اليوم حتى كتابة هذه السطور يتألفُ من طبقتين أرستقراطية مُتخمة حد الاعياء وأُخرى فقيرة حد الموت تستفحلُ بها الامراض المُزمنة ويعلوها الموت البطيء وهم اليوم يُشكلون أكثر من نصف المُجتمع العراقي الشريف الذي يحتاج الى ثورة فكرية عارمة اشبه بالثورة الفرنسية التي جلبت الخير والاصلاح لمُجتمع كانت تسودهُ الفوضى وتُمزقهُ الخرافات وتشرخهُ الفوضى فثروات طائلة لا حدود لها يمتلُكها العراق اليوم تجعل كل فرد من أفراد المُجتمع العراقي الكريم هو من أغنى الناس لو عرف المتسلطون مخافة الله ولم يقترفوا السُحت ولتساوت خيرات البلاد الانفجارية ولم يعُد للعوز المادي مكانا يركُن اليه ولم نتحدث بعد اليوم عن التفاوت الطبقي وإزدواجية الارستقراطيين ولا للوسطية المُهمشة اليوم أي رائحـــــــة ولا حتى لأحباب الله الفقراء أي دالة عليهم ولكن هذا ما لا يُمــــــكنُ تصديقــــــــه في بلادي لان أهل السُحـــــــــت كثير وما أقل أهل الحلال.



