صنعاء تثبت معادلة “الحصار بالحصار” وتحذر الرياض من “عسكرة البحر”

بقلم: علي ظافر..
يدخل قرار الحظر اليمني للملاحة البحرية السعودية في البحر الأحمر أسبوعه الثالث، بعد أن أعلن قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، أواخر الشهر الماضي، تثبيت معادلة الحصار بالحصار، ويبدو أن المعادلة ستستمر، وربما تتصاعد ما استمر إصرار النظام السعودي على حصار اليمن، ورفض تنفيذ الاستحقاقات الإنسانية التي نصت عليها خارطة الطريق، ووافقت عليها الرياض بوساطة عُمانية عام 2023.
تثبيت صنعاء معادلة “الحصار بالحصار” جاء كنوع من الرد المشروع على الحصار السعودي، واستنزاف اقتصاده، ومضاعفة كلفه، وهذا ما سيتحقق من خلال مسارين اثنين، هما:
–استهداف السفن السعودية أو المرتبطة بها في حال مخالفتها لقرار الحظر اليمني، وذلك بالصواريخ والمسيّرات المناسبة، كما حصل أواخر الشهر الماضي لأربع ناقلات نفطية، وفق بيانات القوات المسلحة اليمنية.
–إجبار ناقلات النفط وسفن الواردات التجارية على تغيير مساراتها ذهاباً وإياباً عبر رأس الرجاء الصالح، وقد نجحت القوات المسلحة في تغيير مسار أكثر من 16 سفينة، وفق ما أعلنته مصادر متخصصة في الملاحة البحرية.
الردع العسكري ومعادلة الحصار
تسعى صنعاء إلى تكريس النِّدّية والردع العسكري المباشر مع النظام السعودي، ليس مجرد استعراض بالقوة أو خدمة لأجندة معينة كما تروج الدعاية المعادية، وإنما ترجمة لإرادة الشعبية نابعة من شعور عميق بالظلم والغبن المستمر سعودياً منذ 12 عاماً، وبالتالي فإن صنعاء اضطرت إلى فرض هذه المعادلات كخيار ضرورة لمواجهة المساعي السعودية لتكريس الحصار وتشديد حلقاته أكثر فأكثر، بشراكة أمريكية بريطانية لخنق الشعب اليمني، و”دفعه نحو الانهيار“.
وهنا من المفيد الإشارة إلى أبرز مظاهر الحرب الإنسانية والاقتصادية الظالمة التي مارسها النظام السعودي ضد الشعب اليمني على مدى 12 عاماً، وخلال العقود والفترات الماضية قبل أن يتصدر “أنصار الله” المشهد في اليمن، ويمكن تلخيص أبرز تلك المظاهر في النقاط الآتية:
–تدمير البنية الاقتصادية للبلاد من خلال القصف الجوي والحرب الاقتصادية، وبخسائر مباشرة وغير مباشرة تتجاوز التريليون دولار، وفق مصادر رسمية في صنعاء.
–النظام السعودي عمد مؤخراً إلى فرض إجراءات وتعقيدات تعسفية ظالمة على الواردات التجارية والبضائع؛ للإسهام برفع أسعار السلع بنسبة 400%، بهدف تعميق وتأزيم الوضع المعيشي للمواطن اليمني، في ظل وضع فرضه العدوان والحصار.
–استمرار فرض الحظر الجوي على مطار صنعاء، والتحكم بقرار تشغيله، ومحاولة الوصاية عليه لمنح التراخيص وتحديد الوجهات، وبشكل أسهم بتعميق المعاناة والكارثة الإنسانية والصحية.
–حرمان الشعب اليمني من عائدات 90 مليون برميل من النفط سنوياً، ومن عائدات ثروة غازية كبيرة وواعدة لصالح المرتبات والخدمات.
–حرمان الشعب اليمني من خدمة الكهرباء من المحطة الغازية في مأرب.
–تدخلت السعودية بشكل سافر لمنع الحكومات اليمنية السابقة من استخراج النفط في محافظتي الجوف والمهرة، وتسقيف الكمية المسموح باستخراجها وفقاً لما يريده السعودي؛ لأنه لا يزال طامعاً في ذلك النفط.
هذه المظاهر تكشف السلوك السعودي تجاه اليمن واليمنيين عبر التأريخ، وتبرهن على أن سياسة الإفقار والحرمان مرتبطة بحقد تأريخي سعودي، ولا علاقة لها بخيارات التحرر والاستقلال التي حملتها القوى الوطنية، بمن فيها “أنصار الله”، وهذا السلوك السعودي يهدف إلى إبقاء اليمنيين، كل اليمنيين، في حالة فقر وبؤس واحتياج وارتهان للنظام السعودي، المرتهن بطبيعة الحال لأجندة صهيونية، والحصار المفروض والمشدد اليوم هو استكمال لعملية عقاب جماعي قديمة، وجاءت الإجراءات الأخيرة على خلفية مساندة اليمن لغزة، ما يعني أن الحصار أصبح “ممارسة ظالمة” تعمق معاناة اليمنيين في كل مجالات حياتهم لإخضاعهم أو تجنيدهم سعودياً في معسكر الصهيونية مقابل الفتات من المال الزائل، وهذا ما يرفضه أحرار اليمن مطلقاً، ويرون بالتالي أن المعركة لم تعد اقتصادية إنسانية فحسب، بل باتت معركة حرية وكرامة.
ولأن اليمن اليوم يمن ثورة 21 سبتمبر، شبّ عن الطوق، ويتطلع نحو الاستقلال والسيادة مع احترام حسن الجوار، فإن السعودية لم يرُقْ لها ذلك، فشنّت عدوانها الظالم على اليمن في 26 مارس 2015م دون أي مبرر، وبدعم أمريكي وبإعلان من واشنطن. ولأن اليمن في هذه المرحلة يطالب بحقوقه ويفرض معادلات ردع لانتزاعها، فإن السعودية تسعى بدفع أميركي- بريطاني- إسرائيلي واضح لتشكيل “تحالف بحري” رفضته 30 دولة، وقبلت به 12 دولة فقط مجاملة (المرتزقة لا يمكن اعتبارهم دولة)، بحجة “حماية الملاحة الدولية”، مع أن العمليات اليمنية لا تهدد أحداً، ولا تعني إغلاق باب المندب أمام الملاحة الدولية، وتقتصر حصراً على الملاحة السعودية، فما قصة هذا التحالف، ومن أين جاءت فكرته، وما موقف صنعاء من كل ذلك؟
“تحالف بحري جديد”.. واجهة سعودية بأجندة صهيونية
مؤخراً، تداولت وسائل إعلام عربية وغربية أن السعودية شكّلت “تحالفاً بحرياً لحماية الملاحة الدولية”، لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً، فما كان فكرة صهيونية بامتياز منذ أواخر عام 2023 بات مشروعاً يتعهده ويحشد له النظام السعودي في عام 2026 كمدير تنفيذي وكيان وظيفي وأداة تحركها الصهيونية.
ما يعزز ذلك أن قناة “كان” الصهيونية كشفت في عام 2023 أن: “إسرائيل توجهت بشكل رسمي إلى عدة دول، بينها بريطانيا واليابان، من أجل تشكيل قوة بحرية في إطار تحالف دولي يعمل في منطقة باب المندب، من أجل ضمان حرية السفن في المنطقة”، وقد جاء هذا التوجه نتيجة الإحباط الصهيوني حينها من فشل التحالف الأمريكي- البريطاني “تحالف الازدهار” والأوروبي “عملية أسبيدس” في تأمين الملاحة الصهيونية ومنع استمرار العمليات اليمنية.



