دوري غير متكافئ

محسن التميمي..
هل يمكن القول، أن المنافسة في دوري نجوم العراق متكافئة، وأن جميع الفرق تمتلك الفرص نفسها للمنافسة على اللقب؟ الإجابة بكل تأكيد: لا.
ففي السنوات الأخيرة، أصبحت الأندية الجماهيرية مثل الزوراء والقوة الجوية والشرطة والطلبة، إلى جانب أندية أربيل وزاخو ودهوك، تتعاقد مع اللاعبين بمبالغ مالية قياسية لم يسبق لها مثيل. ووفقاً للأخبار المتداولة، طلب مهاجم المنتخب الوطني أيمن حسين مبلغ مليار دينار من إدارة نادي أربيل، كما ارتبط اسم مهند علي بمفاوضات مالية كبيرة مع النادي نفسه.
كما أن الزوراء والقوة الجوية والشرطة أبرمت صفقات بمبالغ ضخمة، فيما سبق لزاخو أن تعاقد مع أمجد عطوان بعقد تجاوز المليار دينار، فضلاً عن عقود أخرى قاربت 700 مليون دينار. وفي المقابل، أنهت إدارة القوة الجوية مفاوضاتها مع إبراهيم بايش بعدما طلب نحو 800 مليون دينار.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا تستطيع أندية معينة إبرام مثل هذه الصفقات، بينما تعجز عنها أندية أخرى؟.
الإجابة واضحة، لأن الدعم المالي الذي تحصل عليه الأندية ليس متساوياً، رغم أن أغلبها ينتمي إلى مؤسسات الدولة. فهناك مؤسسات توفر موازنات كبيرة لأنديتها، بينما تكتفي مؤسسات أخرى بتخصيصات محدودة، الأمر الذي أوجد فجوة مالية واسعة انعكست بصورة مباشرة على مستوى المنافسة.
فعلى سبيل المثال، يحظى نادي الشرطة بدعم مالي كبير من وزارة الداخلية، ما يمنحه قدرة على التعاقد مع أبرز اللاعبين، في حين لا يستطيع نادٍ مثل أمانة بغداد مجاراة تلك الأرقام، بسبب محدودية موارده المالية، رغم أنه يمثل مؤسسة حكومية أيضاً.
هذا التفاوت في الدعم أفقد الدوري جانباً مهماً من تكافؤ الفرص، وجعل المنافسة على اللقب تنحصر غالباً بين الزوراء والقوة الجوية والشرطة، بينما تدخل أندية مثل أربيل ودهوك وزاخو دائرة المنافسة عندما يتوافر لها الدعم المالي الكبير. أما بقية الأندية، فتشارك من أجل البقاء أو تحسين مراكزها، ويكاد يكون من المستحيل أن تنافس على لقب الدوري.
والسؤال الذي يفرض نفسه: أين دور الجهات الرياضية في معالجة هذا الخلل؟ ولماذا لم توضع آلية عادلة لتوزيع الدعم المالي بين الأندية التابعة لمؤسسات الدولة، بما يضمن منافسة أكثر توازناً وعدالة؟.
لقد شهدنا في مواسم سابقة تهديد بعض الأندية بالانسحاب من الدوري بسبب أزماتها المالية، وهو أمر يكشف حجم الفوارق بين الأندية، ويؤكد أن المنافسة لا تبدأ من أرض الملعب فحسب، بل من حجم الإمكانات المالية المتاحة لكل فريق.
ومن جانب آخر، لو أن إدارات الأندية أولت اهتماماً أكبر بقطاع الفئات العمرية، وعملت على إعداد لاعبي الأشبال والناشئين والشباب والرديف، ثم تصعيد أفضل العناصر إلى الفريق الأول، كما كان يحدث في السابق، لوجدت حلولاً فنية ومالية في آن واحد. فقد أثبتت تلك التجربة نجاحها، وأسهمت في صناعة أجيال من نجوم الكرة العراقية.
أما اليوم، فقد اتجهت بعض الأندية إلى التعاقد مع أعداد كبيرة من اللاعبين المحترفين، من دون أن تحقق جميع هذه الصفقات الإضافة الفنية المطلوبة، إذ إن عدداً محدوداً منهم فقط استطاع إثبات جدارته، بينما لم يقدم البقية ما يوازي حجم الأموال التي أنفقت عليهم.
إن تطوير دوري نجوم العراق لا يتحقق فقط برفع قيمة العقود، بل يبدأ بإيجاد منافسة عادلة، وتوفير دعم مالي أكثر توازناً، والاهتمام الحقيقي بالمواهب العراقية، لأنها الضمانة الأساسية لمستقبل الكرة العراقية، وليس سباق التعاقدات الذي يتسع عاماً بعد آخر.



