اراء

إسبانيا تحت الضغط.. سبتة وغزة والصدام الدبلوماسي مع “إسرائيل”

بقلم: فاطمة حيدر..

على تخوم أوروبا، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالساحل الشمالي لإفريقيا، تقف سبتة “المغربية” الصغيرة المحتلة كمدينة لا تشبه غيرها. فهي ليست مجرد معبر حدودي،بل نقطة تتقاطع عندها الهجرة والسياسة، وتتقاطع عندها الدبلوماسية والجغرافيا، حتى تبدو كأنها تختصر تعقيدات البحر الأبيض المتوسط في بضعة كيلومترات مربعة.

ففي غضون ساعات، تدفق آلاف المهاجرين إلى المدينة، ما أربك السلطات الإسبانية ودفع مدريد إلى تعزيز وجودها الأمني على أحد أكثر حدود الاتحاد الأوروبي حساسية.

لكن ما لفت الأنظار لم يكن حجم الموجة وحده، بل توقيتها أيضًا. فقد جاءت في وقت كانت فيه إسبانيا قد تحولت إلى واحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقادًا للحرب التي تشنها “إسرائيل” على غزة، وإلى أحد أبرز المدافعين عن الحقوق الفلسطينية. ورغم عدم وجود أي دليل يربط بين التوتر الدبلوماسي مع الكيان “الإسرائيلي” وأزمة الهجرة، فإن تزامن الحدثين كان كافيًا ليفتح باب التساؤلات ويغذي النقاش السياسي.

لم يبدأ الخلاف بين مدريد و”تل أبيب” مع أزمة سبتة، بل سبقها بأشهر طويلة. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، تبنت الحكومة الإسبانية واحدًا من أكثر المواقف الأوروبية انتقادًا لسياسات الكيان “الإسرائيلي”، ودعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز مرارًا إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية من دون قيود، واتخاذ خطوات دولية أكثر جدية لحماية المدنيين الفلسطينيين. كما شددت مدريد على أن أي سلام دائم لا يمكن أن يتحقق من دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وفي عام 2024، اعترفت إسبانيا رسميًا بدولة فلسطين، معتبرة “أن هذه الخطوة تسهم بالحفاظ على إمكانية قيام حل الدولتين”. كما أكدت مرارًا أن القانون الدولي يجب أن يُطبق على الجميع من دون استثناء، وأن حماية المدنيين لا يجوز أن تخضع للحسابات السياسية، إلى جانب دعمها للتحقيق في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني خلال الحرب.

هذا الموقف وضع مدريد في قلب عاصفة الانقسام الأوروبي المتزايد. ففي حين فضلت بعض الحكومات الأوروبية اتباع نهج أكثر حذرًا، رأت إسبانيا أن الصمت أمام حجم المأساة الإنسانية في غزة يتناقض مع المبادئ التي يرفعها الاتحاد الأوروبي بشأن حقوق الإنسان وسيادة القانون.

غير أن أصداء هذا الخلاف لم تبقَ محصورة في غزة، فقد امتدت إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة لإسبانيا، وهي سبتة ومليلة، اللتان لا تزال الرباط تعتبرهما جزءًا من أراضيها، بينما تصر مدريد على أنهما جزء لا يتجزأ من السيادة الإسبانية.

ورغم ذلك، لم تظهر أي أدلة تربط بين السجال الدبلوماسي وموجة الهجرة. إلا أن ما كشفته هذه التطورات هو مدى سرعة انتقال تداعيات الصراعات الدولية إلى ملفات تبدو، للوهلة الأولى، بعيدة عنها.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه السجالات تتصاعد، كانت غزة تعيش واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في تأريخها الحديث. فقد دُمرت أحياء سكنية بأكملها، وتعرضت مستشفيات ومدارس ومراكز إيواء للقصف أو خرجت عن الخدمة، فيما اضطر مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى النزوح مرات متكررة. كما حذرت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من نقص حاد في الغذاء والمياه والدواء والوقود، وسط ظروف وصفتها بأنها كارثية تهدد حياة المدنيين. وبالنسبة إلى مدريد، فإن هذا الواقع عزز قناعتها بأن احترام القانون الدولي وحماية المدنيين لا يمكن أن يكونا مسألة انتقائية. لذلك واصلت الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية، وإحياء المسار السياسي باعتباره الطريق الوحيد لإنهاء الحرب.

تقع سبتة على الساحل الشمالي لإفريقيا، لكنها تخضع للسيادة الإسبانية، ما يجعلها أحد الحدود البرية القليلة التي تربط الاتحاد الأوروبي بالقارة الإفريقية. ورغم أن مساحتها لا تتجاوز ثمانية عشر كيلومترًا مربعًا، فإنها تحولت إلى واحد من أكثر الحدود الأوروبية تحصينًا، بأسوارها وأنظمة المراقبة والانتشار الأمني الدائم.

وعلى مدى قرون، بقيت سبتة تعيش بين عالمين، فهي أرض إفريقية ترفع العلم الإسباني، وهو واقع جعلها واحدة من أكثر النقاط الجغرافية والسياسية تعقيدًا في المنطقة، ورمزًا للعلاقة المتشابكة بين أوروبا وشمال إفريقيا.

أما بالنسبة لأولئك الذين يصلون إلى أسوارها، فإن سبتة ليست مجرد مدينة أوروبية، بل نهاية رحلة طويلة بدأت من الحروب أو الفقر أو الاضطرابات السياسية. وخلف كل محاولة عبور حكاية إنسان يبحث عن الأمان أو الاستقرار أو فرصة جديدة للحياة.

وزادت هذه المعادلة تعقيدًا بعد اتفاق التطبيع الذي وقعته الرباط مع “إسرائيل” عام 2020 في إطار ما عُرف بـ”اتفاقيات أبراهام”. فمنذ ذلك الحين، توسعت مجالات التعاون بين الجانبين لتشمل الأمن والاستخبارات والدفاع والسياحة والاقتصاد، وهو ما منح المغرب موقعًا متقدمًا في شبكة العلاقات التي تربط أوروبا وأجزاء من العالم العربي والكيان “الإسرائيلي”، وأضفى بعدًا جديدًا على المشهد المتوسطي في ظل الحرب على غزة.

وفي هذا السياق، يصعب فصل ما يجري في سبتة عن الحسابات الإقليمية الأوسع. فالهجرة والأمن والعلاقات الدبلوماسية، لم تعد ملفات مستقلة، بل باتت تؤثر في بعضها بعضًا بصورة مباشرة.

وفي البحر الأبيض المتوسط اليوم، لم تعد الحدود تُرسم بالخرائط وحدها، بل بالتحالفات والأزمات والحروب التي تمتد ظلالها إلى أماكن لم تكن يومًا جزءًا مباشرًا منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى