“إنسانيّة” الصحافي.. لكل ظرفٍ قرار

فاطمة خليفة
يجنح العالم بسرعةٍ خياليةٍ نحو التطوّر وإدخال التكنولوجيا في الأدوات الصحفية، ما حوّل أيّ مواطن عادي إلى صحافي يحمل قناعاته الخاصة ولا تسري عليه قوانين المهنة. السَبَق الصحفي والسرعة في التقاط الحدث يبقى من أولويات اهتمام الصحافي الحقيقي العامِل في المهنة، لأن الإسراع في الحصول على الخبر يجلب للمُراسِل أو الكاتِب نقاط تفوّق وتميّز على أقرانه.
وسط هذه السرعة والنقاط الذهبية التي يكتسبها، يُطرح السؤال نفسه دائماً على الإعلاميين وأهل الاختصاص، كيف يوازي الصحافي بين مهنته وإنسانيّته؟ وأيّهما يسبق؟.
عندما درست الصحافة، وفي أحد الامتحانات النهائية التي خضتها في الجامعة، جاءني سؤال “ملغوم” نوعاً ما، ولم أجد جواباً واضحاً له حتى اليوم، السؤال كان: إذا كنت في منطقة تشتعل فيها النار جرّاء الحرب، وأمامك طفل أصابته شظيّة، وخيار واحد، إما أن تنقذ الطفل، أو تنقل صورته إلى العالم، وقد ننقذ بذلك آلاف الأطفال الآخرين، كيف تتصرّف؟ (ملاحظة على الجواب أن يكون مهنياً).
السؤال قاسٍ والجواب في غاية الصعوبة، يومها لم تكن لديّ أية تجربة صحفية حقيقية، ولم أكن قد اختبرت مهنة المصاعب عن قُرب، اخترت أن أنقذ الطفل، وعلَّلت جوابي بأن الطفل نفسه سيحدِّث العالم عن تجربته بنفسه، ولو أنني خسرت فرصة لأحظى بسَبَقٍ صحفي نادر وضخم، لكني سأكسب احترامي لنفسي وضميري. أعطتني الدكتورة يومها نصف العلامة، وشدَّدت أن العلامة الكاملة لن أحصل عليها أبداً حتى أكون في موقفٍ حقيقي، وفي حرب حقيقية، ولديّ طفل، وكاميرا.
لطالما كان الحديث عن الصحافيين وأدائهم أمام الكاميرا وخلفها موضِع اهتمام الناس والصحافة. حياة الصحافي تشبه حياة الفنان، وتتقاطع مع حياة نجوم مواقع التواصل الاجتماعي، والمؤثّرين الـ (Influencer) حول العالم. الناس التي تطال الشهرة حياتهم تفرض عليهم نظاماً معيّناً، شيئاً ما يشبه التدريب النفسي لكن طوال الوقت، كلّ ما يقومون به يجعل الآخر يعتقد أن له الأسباب وتترتّب عليه النتائج، وكذا الجمهور، وربما هذه حقيقة. في عالم الإعلام والصحافة، خصوصاً الصحافيين الذين يعيشون تحت الأضواء، لا تساهُل في الأحكام، ولا مُجاملة، خصوصاً عندما يكون الجمهور هو الحَكَم.
المعايير الصحفية تختلف اليوم عمّا تعلّمه الصحافيون قبل اجتياح مواقع التواصل الاجتماعي مؤسّساتهم وهواتفهم وبيوتهم. فايسبوك الذي بدأ استخدامه في 4 شباط/ فبراير 2004، أحدث أولى التغيّرات في حياة الصحافة والصحافيين، في مراحله الأولى وقبل جموع الـ “update” كان استخدام برنامج فايسبوك يجعل منك كتاباً مفتوحاً للآخر، أياً يكن، الإعجاب الذي تُبديه بتعليقات الأشخاص يظهر، لائحة أصدقائك مكشوفة، شيء يشبه بيوت الأشباح التي تخلو من الأبواب، لاحقاً بدأ “فايسبوك” بالتشدّد أكثر بإجراءات الخصوصية، بالتزامُن، بدأ روّاد فايسبوك بالتخلّي عن خصوصيّاتهم، ونشر كل ما يتعلّق بحياتهم على الموقع الأزرق، ما صنع نجوماً افتراضيين، وعزّز فُرَص النجوم الحقيقيين بالانتشار على نطاقٍ أوسع والوصول إلى قاعدة شعبية أكبر، وكذا فعل تويتر الذي أنشِىء في آذار/ مارس من العام 2006، ولاحقاً انستغرام الذي تمّ إنشاؤه في 10تشرين الأول/ أكتوبر 2010 والذي عزَّز النظرية التي تتحدَّث عن أن الصورة تتكلّم بصوتٍ أعلى من الكلمة، ما جعل تأثير الصورة في عالمنا شيئاً فشيئاً أكبر من تأثير الكلمة وهذا ما فرض على الصحافي، وإنسانيّته، تحديات جديدة.
في فلسطين المحتلة، حيث يكثُر الموت والاعتداء، يعيش الصحافي دائماً هاجِس المُساواة بين الإنسانية والعمل. مصوِّر الوكالة الأوروبية في شمال الضفة الغربية، علاء بدارنة، عاش موقفاً إنسانياً حقيقياً، وأنقذ طفلاً كان يرقد في بيته عقب استهدافه بقنابل الغاز، وتعرّضه لاختناقٍ شديدٍ بعيداً عن المواجهات الدائرة في قرية كفر قدوم في محافظة قلقيلية في العام 2015.
بدارنة اعتبر في حديث للميادين نت أنه لا يمكن فصل العمل الصحفي عن العمل الإنساني لأن الأخير من أساسيات العمل الصحفي، وهناك أشياء كثيره تحتّم على الصحافي التعامُل معها واتّخاذ قرار قاسٍ، على ألاّ يتعارض مع الحيادية والمهنية، وبحسب بدرانة هناك فرق بين الإنسانية وبين التحيّز.
وعن خيار الصحافي في حال وجود حال حرجة أمامه، والاختيار بين الإنقاذ والتصوير، اعتبر بدارنة أن لكلِ ظرفٍ قراره، وليس على الصحافي أن يتحوّل إلى رجل إسعاف، لكن إذا كان هناك موقف مُحدَّد يُساعِد فيه مَن يحتاج إلى مساعدة مع ضرورة التركيز والتفريق بين مساعدة إنسانية قد تُنقِذ حياه إنسان، وبين أيّ عمل آخر قد يقوم به الصحافي يتعارض مع مهنته الأساسية.
العمل الصحفي مقرون إذاً بالعمل الإنساني، لا يمكن فصل هذا عن ذاك، لا يمكن تحديد الغَلَبة لمَن، بعض الآراء مُتطرِّفة نحو الإنسان وحياته، وتعتبرها أهم من أيّ مكسب.



