هل تحدد صنعاء وطهران مصير ترامب؟

بقلم: عماد الحطبة..
سيطرة الجيش اليمني على ميناء المخا” البُعد العسكري رغم أهميته” تحمل عدة رسائل سياسية ذات بُعد إقليمي، وربما دولي. على صعيد سير العمليات العسكرية أثبتت المعركة، مرة أخرى، عجز التحالف الذي تقوده السعودية عن تحقيق أي نصر عسكري يُذكر، وأن الجيش اليمني بشقّيه لا يرى الاقتتال اليمني حلاً للأزمة التي تعيشها البلاد.
ولا أدل على ذلك استسلام مئات الجنود اليمنيين الذين يقاتلون إلى جانب التحالف بسرعة، ومن دون خوض معركة حقيقية، ورد فعل الجيش اليمني وأنصار الله الذين لم يلجأوا إلى إجراءات انتقامية بحق المستسلمين. بهذا المشهد تنفرد السعودية بارتكاب المجازر بحق اليمنيين من خلال القصف الجوي الإجرامي الذي يستهدف المدنيين بشكل متعمّد.
أهمية الإنجاز اليمني تتجاوز السيطرة على ميناء المخا الذي يتحكم في مدخل البحر الأحمر، واحتمال سيطرتها على كامل الجزر المقابلة له. فعلى الجانب المقابل، وفي منطقة الخليج تفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً محكماً على الموانئ الإيرانية، في محاولة لزيادة الضغط الاقتصادي على الحكومة، وإمكانية تحويله إلى ضغط شعبي يهدد الاستقرار الداخلي للبلاد.
ويقع الإنجاز اليمني في سياق نفس المواجهة مع العدو الصهيو – أمريكي. فموقع اليمن داخل محور المقاومة أعلن عن نفسه بوضوح من خلال دعمها للمقاومة في غزّة ولبنان، ما يعني أنها لن تتردد في استخدام الميزة العسكرية التي حققتها في دعم المجهود الحربي الإيراني إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
في السياق نفسه، نقلت وكالات أنباء عن مسؤول أميركي أن طهران تدرس “تصعيدًا كبيرًا”، ولن تكتفي باستهداف دول الخليج كما فعلت خلال الأسابيع الأخيرة. وفي الوقت نفسه، نقلت “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أميركيين وشرق أوسطيين، أن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ البالستية في منشآت تحت الأرض، باستخدام مكونات موجودة لديها. ولا تستبعد أوساط عسكرية واستخبارية أميركية لجوء إيران إلى شن هجوم صاروخي كبير قبيل موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، وأن هذا الهجوم قد يتجاوز قصف القواعد الأميركية في المنطقة، ليطال العمق الفلسطيني المحتل.
كما نقلت “وول ستريت جورنال” خبراً عن اجتماع في البيت الأبيض ضمّ مستشارين عسكريين وأمنيين إضافة إلى نائب الرئيس ووزير الخارجية، خلُص إلى نتيجة مُفادها أن إيران قد تكون قادرة على الصمود حتى نهاية الرئيس ترامب وتنصيب الرئيس الجديد.
لقد جاء التصعيد السعودي في اليمن، بناءً على تعليمات أميركية، لينزع من يد محور المقاومة ورقة مضيق باب المندب، في ظل تصعيد أميركي في الحرب على إيران، يضمن ولو فتحاً جزئياً لمضيق هرمز.
نجاح هذه الخطة كان سيمنح الجمهوريين صورة نصر يحتاجونها بشدة للحفاظ على الأغلبية في مجلس النواب الأميركي. ما غاب عن الاستراتيجيين الأمريكيين الذين وضعوا هذه الخطة، أن الجيشين الإيراني واليمني لا يحاربان بهدف تحقيق مكاسب انتخابية، ولا يخوضان حروب الآخرين. فالعقيدة القتالية لمحور المقاومة تقوم على مفاهيم الكرامة الوطنية، والاستقلال الناجز، ومعاداة الإمبريالية ومشاريعها. وهي عقيدة لا تخضع للمساومة، وحسابات الربح والخسارة، بل تشكل التضحية والصمود محورها الرئيس.
لم يعترف ترامب بالهزيمة بشكل مباشر، ولكنه لم يستطع إخفاء إحباطه من نتائج المعركة، فتعهّد أمام اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري بتقديم مبلغ خمسة آلاف دولار لكل بالغ أميركي، في حال فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية. واشترط أن تُصرف هذه الأموال التي سمّاها “توزيعات ترامب” داخل الولايات المتحدة. ويدّعي قادة الحزب الجمهوري أن الأمر لا يتعلق بالنتائج الكارثية للسياسة الخارجية الأميركية، فالرئيس سبق أن قدّم وعداً مماثلاً بتقديم مبلغ ألفي دولار، وذلك من أرباح الرسوم الجمركية. ويغفل هؤلاء القادة أن ذلك الوعد لم يٌنفذ، كما يتوقع أن يلاقي الوعد الجديد المصير نفسه، إذ تبلغ تكلفته 1.2 تريليون دولار.
يبدو الرئيس ترامب وحزبه في وضع لا يُحسدان عليه. فمن جهة أصبح شنّ عدوان واسع على إيران محفوفاً بمخاطر إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، والتسبب في أزمة اقتصادية عالمية خطيرة، من دون استبعاد إمكانية لجوء اليمن إلى قصف قاعدة (Camp Lemonnier)، الموجودة في جيبوتي وهي أكبر قاعدة أميركية في القارة الأفريقية، إضافة إلى وجود قاعدة أخرى في كينيا، وكذلك قاعدة عسكرية إسرائيلية في أريتريا (قاعدة جزيرة دهلك).
من جهة أخرى، لا يمكن للولايات المتحدة التورّط في حرب مباشرة على اليمن، قبل موعد الانتخابات النصفية، لأن ذلك سيعيد إلى الذاكرة الشعبية الأميركية النتائج الكارثية للحرب على إيران، ما يجعل احتمال الخسارة يتحوّل إلى خسارة أكيدة، وقد تكون فادحة.
لقد سقط ترامب في الحفرة التي حفرها بنفسه، وهو يدرك يوماً بعد يوم، أن مصيره يصبح مرتبطاً أكثر فأكثر بما يحدث في الحرب التي يخوضها في منطقتنا. في الوقت نفسه، يتعاظم الدور السياسي لمحور المقاومة بفعل النتائج التي يحققها في الميدان.



