هل ينجح ترامب باختراق التحالف الشرقي عبر مفاوضة موسكو؟

بقلم: هدى رزق..
في أعقاب تعثر جهوده الدبلوماسية مع طهران نتيجة التهديدات بالعودة إلى الخيارات العسكرية، وبعد فشل المحادثات مع إيران، تأتي تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحالية لتعزيز الموقف السياسي لحزبه الجمهوري وتحسين صورته أمام الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر 2026، وذلك عبر الرغبة في التفاوض مع روسيا باعتبارها مفتاحاً لتحقيق إنجاز خارجي كبير خلال ولايته، والحد من التقارب المتنامي بين موسكو من جهة وكل من بيجين وطهران. يحاول التوصل إلى تسوية سريعة لإنهاء الحرب في أوكرانيا وإعادة ترتيب العلاقات الأميركية الروسية فهل ينجح؟
أوفد مبعوثه الخاص للسلام ستيف ويتكوف برفقة مستشاره جاريد كوشنر إلى موسكو، للاجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين لبحث مقترحات جديدة لإنهاء الحرب، وأجرى اتصالاً هاتفياً بالرئيس الروسي ركز خلاله على اهتمامه في فتح مسار لتسوية النزاع في أسرع وقت، وإمكانية عقد اجتماع ثلاثي يجمعهما مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) المرتقبة.
المحادثات مع موسكو غاية أم وسيلة ؟
يهدف ترامب إلى تقديم “حوافز” لروسيا لإنهاء حرب أوكرانيا، وفي ظنه أنها الأداة الأقوى لفك الارتباط والتحالف المتنامي بين موسكو، وبيجين، وطهران، والذي تعتبره واشنطن التهديد الأكبر لمصالحها.
يرى ترامب وفريقه أن الحروب المتزامنة في أوكرانيا والشرق الأوسط قد دمجت الموارد الروسية بالقدرات التكنولوجية والصناعية للصين، وحوّلت موسكو إلى داعم خلفي لطهران، يحاول ترامب إغراء بوتين بعائدات اقتصادية وسياسية تدفعه إلى الابتعاد خطوة عن الصين والتوقف عن دعم إيران.
الحسابات معقدة.. هل تنجح؟
خبراء مجلس العلاقات الخارجية في أميركا يشيرون إلى أن خطة ترامب تواجه عقبات كبرى؛ فموسكو ترحب بالحراك الدبلوماسي للاستفادة من المزايا الاقتصادية، لكن ليس من السهل عليها التضحية بتحالفها الاستراتيجي العميق والراسخ مع الصين وإيران.
يدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبعاد أهداف ترامب السياسية، لكنه لا ينطلق من موقع السذاجة، بل يستغل حاجة ترامب الملحّة لتحقيق إنجاز دبلوماسي سريع ليحقق هو أقصى مكتسبات سياسية وعسكرية ممكنة. يتحرك بوتين عسكرياً على الأرض لفرض واقع يصعب تغييره في أية مفاوضات مستقبلية.
لماذا يستعجل ترامب التفاهم مع روسيا قبل 24 أيلول؟
يسعى ترامب للتوصل إلى ما بشبه الاتفاق مع موسكو قبل استقباله للرئيس الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض في الـ 24 من سبتمبر. يدرك أن دخوله إلى قمة واشنطن مع شي جين بينغ وهو يحمل تفاهماً مبدئياً مع بوتين لإنهاء حرب أوكرانيا، سيمنحه موقفاً تفاوضياً أقوى. هذا التحرك يجرّد الصين من إحدى أهم أوراقها الجيوسياسية (وهي حاجة الغرب إليها للضغط على روسيا).
ونظراً لأن الصين هي الشريك التجاري الأكبر لطهران، وتزامناً مع استعداد إدارة ترامب لفرض عقوبات مشددة على شركاء إيران الاقتصاديين، يحاول ترامب إظهار أن واشنطن قادرة على عزل طهران عبر تحييد موسكو أولاً، ما يضع بيجين في موقف حرج إذا قررت الاستمرار في خرق العقوبات الأميركية.
يعيد ترامب إحياء استراتيجية “هنري كيسنجر” الشهيرة في السبعينيات ولكن بشكل معكوس؛ فبدلاً من التقارب مع الصين لعزل الاتحاد السوفياتي، يحاول ترامب التقارب مع روسيا لعزل الصين وكبح جماح إيران، يلوّح ترامب لبوتين بورقة رفع العقوبات الاقتصادية وفتح الأسواق الغربية لفرط الاعتماد الكلي على الصين.
هل ينجح ترامب في اختراق المعسكر الشرقي؟
بينما يتحرك ترامب لعقد صفقة سريعة قبل قمة الـ 24 من سبتمبر، قام الرئيس الصيني باستباق زيارته لواشنطن بجولة دبلوماسية مكثفة شملت قمة “بريكس” ولقاءات مع دول نامية لطرح بلاده كشريك بديل ومستقر في وجه “تقلبات” إدارة ترامب. وفي المقابل، يسعى بوتين لامتصاص الاندفاعة الأميركية لانتزاع مكاسب ميدانية وعسكرية في أوكرانيا، من دون التفريط كلياً بتحالفه الاستراتيجي والعميق مع بيجين.



