اراء

الحيرة الحضارية

بقلم/ عدنان ابو زيد

رصد خلل  بین التصورات المثالیة، وتطبیقاتھا على أرض الواقع، ذلك ان المقايیس التي بوجبھا تُسن القوانین، وتُنظّم الحیاة،التي تضع حدا للصراعات الايديولوجیة والفكرية، باتت تنظیرية أكثر منھا تطبیقیة، وھو أمر انتبھت له أمم نجحت في تخطي اخطار الحروب الطائفیة والقومیة، والكراھیات المجتمعیة.

المثال في ھذا الصدد، أوربا. ففي المشاھد الیومیة التي يعیشھا العربي والمسلم، يرصد حقیقة ان التباين الشاسع بین الثقافات وتعدد الانتماءات، لم يعد مقیاسا يقف حجرة عثرة، في طريق ترسیخ آلیة مشتركة للتفاھم، ومن ذلك ان الفرد الذي صقلته حضارة العصر، يشعر بالقوة في سلوك التسامح والصفح ومحاولة فھم الاخر، على الرغم من انه غیر مؤدلج  عقائديا، فیما أفراد شعوب أخرى، حضھا من التعلیم أقل، وتتحمس لتعصبھا العقائدي والفكري، تجدھا تعیش في أوربا بنفس روح التشدد والغلو والانتقام والثأر، بل وفي فرض القیم والأخلاق الخاصة بفئة معینة حتى على المجتمعات الاوربیة التي يعیشھا فیھا ضمن اقلیة.

ثمة حاجة الى صیاغة النظريات الجديدة في بلادنا، لصقل السلوك الجمعي، باتجاه ثقافة التساھل والمحبة، والتفاعل مع المختلف، حیث التجربة الناجحة في أوربا، تجعلنا ننسخ أمثلة، تساھم في بث الحماس بین أفراد مجتمعاتنا، ففي القارة البیضاء ومنذ القرن التاسع عشر، انحسرت بشكل واضح المفاھیم التي كانت تسیطر على الذھنیة الغربیة، في تحديد العلاقة بالآخر على أساس القومیة والدين، وأصبح البديل ھو الأداء، والانجاز.

انحسرت عن ھذه الدول، على رغم شعورھا، بتفوقھا في مجالات العلم والثقافة والأدب على الدول الأخرى، العنصرية الأوروبیة التي تعكس تفوق ثقافة ودين الرجل الأبیض، وان الذي يجب ان يقود العالم، الثقافة الاوروبیة البیضاء المستمدة  جذورھا من حضارة الاغريق يجب ان تسود بحكم أجندتھا الحیاتیة والفكرية وقدرتھا على الاقناع.

عكس التسامح الأوربي، فان  ھناك حتى في داخل أوربا نفسھا، من يصر على التمايز السلبي، متوھ ّ ما بان ذلك يمكنّه من التأثیر والشعور بالبقاء، على الرغم من كونه أقلیة مھاجرة، وھو سلوك ناجم عن التربیة المغذية للتحجر والحذر من الآخر،والشعور بالنقص، او بالتفوق أمامه، ففي كلا الحالین، فان ذلك مدعاة الى عدم الاندماج، في المجتمعات الجديدة والعیش على الھامش فیھا.

ان أحد أسباب النجاح الأوربي، ھو تجاوز الغلواء والذاتیة، في التعامل بین افراد المجتمع، من مواطنین اصلیین ومھاجرين، وھو عامل أھل ھذه الشعوب على الابتكار والخلق، وتحولھا الى المعلم الأول للعالم، على رغم ندرة خطابھا المؤدلج

لكسب الاتباع، وانحسار أسلوب الوصاية على الدول الأقل شأنا، وكان ذلك سببا في تحولھا الى بلدان تلونھا الھجرات المتعددة والعادات والتقالید المختلفة، القادمة من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب.

مع مرور الأيام، فان لا مفرّ من توقع اندماج واسع وجذري لثقافة أوربا التي كانت في يوم من أيام، تجد نفسھا متمیزة وھي الابنة المدللة للملك الفینیقي التي أغدق علیھا الاله الاولومبي سیوس قوته وجماله وذكاءه، مع ثقافات المسلمین والھندوس والبوذيین والأديان الأخرى، في تجانس تاريخي بین تراث الشرق ودياناته وثقافاته ومنتجات الحضارات الھیلینیة والمسیحیة والعلمانیة والإسلامیة.

 تأريخیا، فان ذلك حدث يوما على أيدي العرب المسلمین، في الاندلس، حین ذاب العرب في الارض التي وفدوا الیھا،وتعلموا ثقافتھا، واكتسبوا رقة اھل الاندلس الأصلیین، وتبادلوا معھم الثقافات، واصبحوا اكثر انفتاحا حتى من الأندلسیین أنفسھم، وتجاوزا في علومھم المیثولوجیا الدينیة، الى العلم والفن والادب، واختلطت أفكار ابن رشد، فیلسوف قرطبة مع اطروحات توماس الاكويني، المعلم الأول للأوربیین.

يقود التسامح أوربا، الى إزالة السدود أمام الھجرات من الخارج، وبات توطین الاسلام في اوروبا الغربیة، امرا واقعا يتجانس مع دين اوروبا التاريخي، المسیحیة، ما يملي علیك التمعن كثیرا في قدرة الانفتاح لا الانغلاق، في بناء الحیاة والكف عن الشعور بالنقص أمام الاخر، والتشكیك الدائم في أھدافه، واعتباره، عبر أفكار مسبقة متآمرا، يسعى الى تدمیر ثقافتناومعتقداتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى