اراء

تركيا بين أوباما وترامب.. تغير الدور أم تغير الوظيفة؟

بقلم: ليلى نقولا..

تعكس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خاصة خلال قمة حلف شمال الأطلسي التي انعقدت بأنقرة في تموز 2026 ميلاً أمريكياً متزايداً لإعطاء تركيا دوراً إقليمياً أوسع، خاصة بعد فشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في تحقيق أهدافها.

مع ذلك، فهذا قد لا يعني بالضرورة عودة واشنطن إلى رؤية باراك أوباما خلال ما تسمى مرحلة “الربيع العربي”، فالتشابه يقتصرعلى تعزيز وزن تركيا، بينما تختلف الخلفيات الاستراتيجية والأهداف النهائية بصورة جوهرية.

خلال السنوات الأولى من “الربيع العربي”، نظر فريق إدارة أوباما إلى تركيا بوصفها نموذجاً للإسلام السياسي المعتدل، ورأى في تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجاً يمكن تطبيقه في المنطقة.

كانت الفكرة الأساسية تقوم على أن حزب العدالة والتنمية قدّم آنذاك نموذجاً يجمع بين الهوية الإسلامية والديمقراطية، والاندماج في النظام الغربي والعلاقات مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” والانخراط في المؤسسات الدولية. وقد برزت تركيا في خطاب إدارة أوباما باعتبارها مثالاً لدولة ذات مرجعية إسلامية ولكنها تعمل ضمن أطر ديمقراطية واقتصادية ليبرالية نسبياً، الأمر الذي جعلها مرشحة للعب دور إقليمي مؤثر ممتد على مساحة واسعة، رآها الأتراك فرصة لتكريس ما سمي” العثمانية الجديدة“.

في ذلك الوقت كانت واشنطن تعتقد أن التيارات الإسلامية المعتدلة المرتبطة أو القريبة من جماعة الإخوان المسلمين يمكن أن تتحول إلى قوة احتواء للتطرف الجهادي. كما اعتقد بعض صانعي القرار الأمريكيين أن تركيا تستطيع إقامة قنوات تواصل مع مختلف مكونات الإسلام السياسي السنّي، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بعلاقات عملية مع قوى شيعية وإيران، ما يسمح لها بلعب دور الوسيط بين الكتل الإسلامية المتنافسة.

غير أن نتائج “الربيع العربي” جاءت مختلفة عن التوقعات الأمريكية. دخلت المنطقة في موجات من الحروب الأهلية وانتشار الإرهاب والتدخلات الخارجية، وتراجعت مكانة العديد من الحركات الإسلامية التي كانت تُعتبر شريكاً محتملاً للغرب، ما دفع الأميركيين إلى التخلي عن فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر نموذج تركي ذي مرجعية إسلامية معتدلة.

أما في مرحلة 2025-2026، فإن السياق يبدو مختلفاً ولو كان بعض أهداف إدارة ترامب يشبه أهداف إدارة اوباما. لغاية إعلان مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، كانت السياسة الأميركية في إدارة ترامب الثانية تسعى إلى دعم بروز محور إقليمي تقوده “إسرائيل” بهيمنة واضحة، مستفيدة من التغيرات التي نتجت عن حرب غزة واعتُبرت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران بمنزلة الضربة الأخيرة التي ستقضي على رأس المحور المناهض لـ”إسرائيل”، وبالتالي تكريس زعامة إسرائيلية مطلقة على الشرق الأوسط.

لكن الرد الإيراني المتعدد الأبعاد، والإخفاق في تحقيق أهداف الحرب دفعا الإدارة الأميركية إلى إعادة تقييم أدواتها الإقليمية، والبحث عن شركاء قادرين على تحقيق الأهداف التي يتعذر على “إسرائيل”، حتى بدعم أميركي وأطلسي، تحقيقها.

ترى الإدارة الأميركية أن تركيا تمتلك أدوات نفوذ فعلية في سوريا، ولديها علاقات مع فصائل فلسطينية ومع قوى إسلامية متعددة، كما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك قدرة على التأثير في ملفات لا تستطيع “إسرائيل” إدارتها. بمعنى آخر، يتعامل ترامب مع تركيا كقوة إقليمية وظيفية يمكن توظيفها لإدارة أزمات محددة.

ويكمُنُ الفارق بين نظرة أوباما ونظرة ترامب، أن أوباما كان ينظر إلى تركيا بوصفها حاملة لمشروع سياسي إقليمي، بينما ينظر اليها ترامب بوصفها شريكاً قادراً على إنجاز مهام لا ترغب الولايات المتحدة في الانخراط المباشر فيها، أو عجزت “إسرائيل” عن تحقيقها.

في النتيجة، يكمن التشابه بين مرحلتي أوباما وترامب في الاعتراف بأهمية تركيا الإقليمية. أما الاختلاف الجوهري فهو أن أوباما أراد تركيا زعيمةً لنموذج سياسي ذي مرجعية إسلامية معتدلة قادر على استيعاب الحركات الإسلامية (خاصة المتشددة) واحتوائها، بينما يبدو أن ترامب يتجه إلى استخدام تركيا كأحد أعمدة توازن إقليمي متعدد الأقطاب، يضم “إسرائيل” وتركيا ودول الخليج، ويهدف إلى إدارة تناقضات المنطقة أكثر مما يهدف إلى فرض هيمنة طرف واحد عليها.

هذا الانتقال هو من منطق “النموذج” إلى منطق “توازن القوى”، ومن هندسة الهوية السياسية للشرق الأوسط إلى إدارة موازين القوى فيه، وإذا استقر هذا التحول، فإنه قد يعني تراجع مشروع نتنياهو القائم على فرض هيمنة إسرائيلية أحادية على المنطقة (من “الهند إلى كوش”). مع العلم أن المقاربة الحالية لا تعني التخلّي عن “إسرائيل” أو إنهاء مكانتها المركزية في الاستراتيجية الأميركية، بل قد تكون إعادة توجيه للاستراتيجية الأميركية، بعدما باتت واشنطن ترى أن محاولات إنتاج هيمنة إسرائيلية أحادية على كامل المشرق تواجه حدودًا عملية وسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى