الحسين ثورة الفكر والنهضة المستدامة

بقلم / عبد الخالق الفلاح
ثورة الإمام الحسین (علیه السلام) التي انطلقت سنة ستین للھجرة، كانت نبعاً متدفقا للقیم المتسامیة حيث ارتبطت بأبعاد فكرية أساسیة تشكل جوھر قضیته المركزية والتي تتبلور وترتبط بمفردة الإصلاح بكل دلالاتھا الفكرية والإنسانیة والقیمیة والروحیة ومن ھنا فإن أي محاولة لاستعادة ھذه الثورة وتطبیق مقولاته وقیمه الروحیة والفكرية لا تتم ولن تتحقق دون فھم واستلھام ھذه المضامین و لا وجود لفكر الحسین بدونھا وبالتالي كل من يريد حصر وتقويض قضیة الحسین بالطقوس والتباكي واللطم ، يساھم من حیث لا يشعر بحرف القضیة وتمیيعھا وضیاع أھدافھا وتغیيب مكتسباتھا على أرض الواقع .
للحقیقة ان بفضل فكر ھذه الثورة العظیمة استطاع ابن رسول الله أن يحیي دين النبي محمد (ص) ويجعله فاعلاً ومؤثراً التاريخ و تتمیزعن كل الثورات بكونھا قضیة رسالة ومبدأ، ثار الحسین للدفاع عنھا، ونھض للتبشیر بھا، حیث رأى علي مرّ أمة جده تنسلخ من رسالة الإسلام، وتسودھا أجواء مخالفة لقیمه ومفاھیمه، وتحكمھا فئة مخالفة لھديه وتشريعاته وبأنھا كانت ثورة اصلاح وھداية لكل البشرية دون استثناء ومن ھنا ينطلق التفاعل الجماھیري الھائل، الذي يحصل باندفاع ذاتي،ومن قبل كل الشرائح الاجتماعیة… الرجال والنساء، والكبار والصغار، والأثرياء والفقراء، والمثقفون والعاديون… وتعطي لھذه الثروة المعرفیة أھمیة فريدة من نوعھا،لذلك تجاوب الجمھور الشعبي معھا، حیث يتفاعل معھا من كل المذاھب دون استثناء بشكل واسع من أبناء الأمة الاسلامیة وبالخصوص المحبین لأھل البیت علیھم السلام، مع مناسبات ومواسم الذكرى الحسینیة، وسائر أوقات الزيارات المندوبة، وقد سعى الامام (ع) الى بناء مجتمع إسلامي وإنساني متكامل وانبثقت الثورة من روح المسؤولیة والالتزام الأخلاقي لاصلاح المجتمع (إنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنھي عن المنكر) ، في مقابل سیطرة الروح الأنانیة والمصلحیة والانتھازية، والسكوت إزاء الحكومة الباطلة، واللاإبالیة تجاه اوضاع المجتمع، التي تساھم في ترسیخ واستفحال المعايیر و القیم المناھضة للدين، ويضفي المشروعیة الاجتماعیة والسیاسیة علي القوي المتجبرة والمستبدة.
وماھو واضح وجلي في ثورة الامام الحسین ( ع )اعلنت منذ البداية رفضھا للاوضاع المتردية وتصديھا لحكّام الجور. و لما اراد معاوية، خلافاً لسیرة رسول الله، أن يأخذ البیعة من الامام الحسین لإبنه يزيد لیخلفه في الحكم الاموي المتوارث، قوبل بمعارضة الامام ورفضه. ومن خلال نھضته العاشورائیة أوضح الامام الحسین بأنه من المحال أن ترضي شخصیة تعتبر أسوة للاسلام المحمدي بھذا الذل، وأن تؤيد الاسلام المنحرف: (مثلي لايبايع مثله)وتتجلى ھذه المقابلة والمواجھة في أخلاقیات المعسكرين: أنصار الإمام الحسین، الذين رفضوا الاغراءات والمساومات،ووقفوا وقفة عز وفداء، دفاعاً عن الدين والمصلحة العامة، وفي الطرف الآخر: الجیش الأموي، الذين دفعتھم المطامع والمصالح لارتكاب أفظع الجرائم والآثام، وكانوا يتسابقون إلى المناصب والغنائم على حساب ضمائرھم ومبادئھم وأمتھم بدل
أن تسوده القیم الاخلاقیة الفاضلة والقیم النبیلة وتتحقق فیه العدالة والاخوة والحرية والمساواة وباقي القیم الانسانیة التي تحفظ حقوق وكرامة الإنسان، لذا فأن ثورة الإمام الحسین علیه السلام، ھي أعظم ثورة إصلاحیة عرفھا التاريخ البشري على سطح الكرة الأرضیة لأنھا أحیت المبادئ والقیم المقدسة في نفوس وعقول الأجیال المتعاقبة ، وأعطت الدروس المشرقة عن التضحیة في سبیل القیم الإسلامیة والإنسانیة. وقد تأثر عظماء البشرية ومفكريھا وسیاسیھا بشخصیة الإمام الحسین علیه السلام وسیرته العطرة، لأنھم وجودوا في ثورة الإمام الحسین الرفض المطلق للظلم السیاسي والاجتماعي والاقتصادي والعرقي والقبلي والمناطقي، ولمسوا في حركته التحررية الكرامة الإنسانیة، والحرية الفكرية، والعدالة الاجتماعیة، والتسامح الديني، والوفاء للقیم الإنسانیة. التي تتجدد بشكل دائم مع حلول شھر محرم الحرام وايام عاشوراء،



