النسخة الرقمية

الوحدة الإسلامية

قد حرص الإسلام في نظرته إلى الإنسانية على إرساء قواعد الوحدة بين أفراد الإنسانية جمعاء، فلا مائز لا من حيث الأجناس، ولا من حيث الألوان، أو الأقاليم، بين أفراد البشرية، فالجميع من نفْسٍ واحدة، وطينة واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.وحتى الاختلاف الشكلي أو الظاهري الموجود لجهة اللون أو اللغة ونحوها فهو آية من آيات الله لها حكمتها وفلسفتها الخاصة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ولهذا يمكن القول إن الفرقة القسرية التي تفرضها طبيعة الأرض والمساحات أو المسافات، لا تلغي أو تحرف مبدأ التلاقي الإنساني بين جميع بني البشر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. فمبدأ التعارف القرآني هذا يلغي المسافات ويقرّب القلوب، ويفرض على الجميع نوعاً من الإلفة والمحبة والتعاون والإيثار وهي أهم ركائز الوحدة المرجوّة..ولقد عدّ القرآن الكريم أنّ مبدأ الوحدة من الثوابت والأصول التي ينبغي أن يحكم الأصول العقائدية والفكرية للبشر، وترتكز عليه منظومة الأخلاق والقيم التي تشكّل الرابط الأقوى بين المجتمعات الإنسانية.ولهذا تعدّ عالميّة الدين الإسلامي وخلوده، وعدم اختصاصه وتحديده بقوم أو منطقة معيّنة، أو تقيده بزمن محدود من ضروريات هذا الدين الإلهي، ويتضّح هذا الأمر لكل من يلقي نظرة -ولو عابرة- على القرآن الذي يخاطب الناس جميعاً في الكثير من الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿الْعَالَمِينَ﴾، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. فلقد صرّح القرآن الإنسانية أمة واحدة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾..ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ المسلمين لا يعانون مشكلةً أو خللاً في الأسس النظرية للوحدة…، بل إنّ أهم ما تحتاجه وحدة المسلمين إضافة لإزالة القلق من الآخرة، هو التوافق على منهج علمي جادٍ وجريء ومشترك لقراءة وبحث المبادئ والأصول التي وقع الاختلاف عليها، تمهيداً لنشوء نوع من التكاون المنهجي والمعرفي الذي إن توافق المسلمون على قبوله، وتحكيمه، لتمكّنا من حل نصف المشكلة، ويبقى القسم الآخر منها على عاتق العلماء والقادة المدعوين لإغلاق كياناتهم المذهبية الضّيقة لحساب كيان الإسلام الكبير، واتخاذ القرارات الجريئة بإعلان الموافقة على مبدأ الوحدة والسعي العلمي لمأسستها وتحويلها إلى عنوان كبير للتلاقي والدفاع عن المسلمين، وحماية الإسلام ومقدّساته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى