سلام برعاية أميركية.. هل تنتهي الحرب في السودان؟!

بقلم: ثابت العمور
في زوايا البيوت المنهوبة في الخرطوم، وتحت ظلال الخيام المهترئة في معسكرات النزوح في دارفور، لا يعني المواطن السوداني شكل الطاولة التي يجلس إليها المفاوضون، ولا لغة البيانات أو مضمون المبادرات المتأخرة والمتكررة الصادرة عن واشنطن. ما يعنيه هو رغيف خبز يُطعم به طفله، وساعة نوم واحدة لا يقطعها عويل المدافع أو صرخات ضحايا الاغتصاب والتطهير العرقي.
تُرك السودان على مدار أكثر من ثلاث سنوات تنهشه حرب الأشقاء الفرقاء، وتتقاذفه مصالح الدول وحساباتها، من دون أن يلتفت أحد إلى ملايين النازحين والضحايا، في تراجيديا إنسانية كاملة لبلد تسحقه بيادات الجنرالات وعساكرهم، بينما تراقب العواصم الكبرى المشهد بعدسات الحسابات السياسية الباردة. وفي بلدٍ الوقت فيه من دم، تُصاغ المبادرات لرفع العتب وصناعة سلام مستورد برعاية أميركية.
لم يعد السؤال في أزقة السودان: هل تنتهي الحرب؟ بل: متى تنتهي الحرب؟ فهل تُنهي خريطة واشنطن المسرّبة الحرب في السودان؟ ولماذا تُسرّب المقترحات إن كانت واشنطن صادقة وواثقة بقدرتها على وقف الحرب؟
مبادرة أميركية جديدة
كُشف، في 9 تموز 2026، عن وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية، تتعلق بمبادرة سلام أميركية. وبحسب ما ورد في الوثائق، يدور الحديث عن مقترح أميركي يُعلن بموجبه عن هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، تتيح وصول المساعدات الإنسانية، وتعزز حماية المدنيين، وتمهّد الطريق أمام مفاوضات تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية، وصولاً إلى إجراء انتخابات.
ويُظهر ظاهر الوثائق المسرّبة تقارباً بين واشنطن والخرطوم بشأن الإطار العام للمبادرة الأميركية، إذ أظهرت الوثيقة المنسوبة إلى الحكومة السودانية، والمؤرخة في 25 حزيران 2026، قبولاً واسعاً بالمبادئ العامة التي تضمنها المقترح الأميركي، وفي مقدمتها الإقرار باستحالة الحسم العسكري، ووقف إطلاق النار على مستوى البلاد، وتأسيس لجنة تنسيق برئاسة الولايات المتحدة، تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، إلى جانب إنشاء آلية أممية لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.
لكن التقارب الحاصل يبقى مفخخاً، لأنّ الخرطوم ربطت موافقتها بشرط اعتبرته أساسياً، يتمثل في انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 11 أيار 2023، وهو ما يتجاوز ما ورد في المبادرة الأميركية، التي تتحدث عن انسحابات محدودة وإعادة انتشار للقوات خلال فترة الهدنة.
مبادرات تتبخر والحرب مستمرة
يُذكر أنّه، منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان 2023، قدّمت واشنطن وشاركت في عدد من المبادرات، منها منبر جدة في أيار 2023، بالشراكة مع السعودية، الذي أسفر عن توقيع إعلان جدة لحماية المدنيين، لكنه تعثر مراراً بسبب عدم التزام الأطراف بالهدن.
وجاءت محادثات جنيف التي رعتها الولايات المتحدة بهدف فتح ممرات إنسانية، إلى جانب خطط أميركية تضمنت هدنة إنسانية، تليها ترتيبات أمنية وحوار سياسي مدني. كما دعمت واشنطن مبادرات الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” والاتحاد الأفريقي، والمشاورات التي عُقدت في القاهرة.
وفي حزيران 2026، طُرح في الكونغرس الأميركي مشروع “منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان”، المعروف اختصاراً باسم “قانون السلام في السودان”، والذي يهدف إلى توسيع العقوبات، وتعزيز الموارد الدبلوماسية المخصصة للملف السوداني، والضغط على الأطراف التي تغذي الحرب، ومطالبة وزارة الخارجية الأميركية بتقديم استراتيجية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، لكن الحرب استمرت رغم تعدد المبادرات والتحركات.
وفي تشرين الثاني 2025، قال مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، إنّ هناك خطة دولية جاهزة لوقف الحرب في السودان، لافتاً إلى أنّ الخطة التي وضعتها الإدارة الأميركية، بالتعاون مع الرباعية الدولية، تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في البلاد.
وأوضح بولس أنّ لدى الولايات المتحدة مقترحاً مفصلاً للحل، يمكن أن يشكل خريطة طريق لإنهاء النزاع، مبيناً أنّ المقترح يرتكز على وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، إضافةً إلى الدعوة إلى حوار وطني شامل. لكن هذه الخطة تبخرت أيضاً.
وفي أيلول 2025، طرحت المجموعة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، خطة لهدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر، تمهيداً لوقف دائم لإطلاق النار، يهيئ بدوره لمرحلة انتقالية مدتها تسعة أشهر، لكنها اصطدمت بتحفظات ورفض من الأطراف المعنية.
مراوغة مبكرة
من الواضح أنّ الحرب الدائرة في السودان لا تنقصها المبادرات والمقترحات والوساطات كي تتوقف. ما ينقصها هو إرادة سياسية حقيقية تضع أمامها أوضاع الناس وأحوالهم. واستمرار المراوغة يعني غياب هذه الإرادة، فيما لا تبدو المبادرة الأميركية الأخيرة أوفر حظاً من سابقاتها.
وقد بدأت المراوغة مبكراً، إذ أعلن مسعد بولس، أمام مجلس الأمن، أنّ مجلس السيادة السوداني رفض مبادرة الهدنة، ثم عاد وعدّل موقفه لاحقاً، عقب مداخلة ممثل السودان الذي أوضح أنّ رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بعث برد يتضمن جدولاً زمنياً للانسحابات وخطة لإحلال السلام.
والمفارقة أنّ بولس كان قد قال إنّ المبادرة أُعدّت بالتشاور مع وزير الخارجية السوداني وأعضاء في مجلس السيادة، وبالتنسيق مع مصر، كما حظيت بترحيب السعودية، فهل جرى ذلك من وراء البرهان ومن دون علمه؟ أم أنّ رفضه كان مجرد مناورة؟
وقد لوحظ أنّ البرهان، في أحدث ظهور له في مدينة أم درمان، تجاهل إبداء موقف حاسم من المبادرة الأميركية، سواء بالرفض أو بالموافقة، ولم يكشف عن أي تفاصيل، واكتفى بالتأكيد أنّ الجيش لن يقبل بأي ترتيبات تُفرض عليه ولا تحقق الأمن والسلام للسودانيين.
صحيح أنّ المبادرات التي باتت تُقدّم إلى السودان أصبحت مكتوبة ومدعومة ومرفقة بضغوط دولية، لكن ذلك لا يعني الاقتراب من انتهاء الحرب، ولا سيما أنّ وثائق المبادرة الأخيرة لم تُعلن رسمياً حتى الآن، بل كُشف عنها عبر تسريبات صحافية.
كما أنّه من غير المتوقع أن تنسحب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها استجابةً لشروط الجيش، وهذا يعني أنّ إنهاء الحرب لا يزال أمراً بعيداً. وقد تنجح بعض تفاصيل المبادرة في تحقيق هدنة مؤقتة، لكنها لا تعني الوصول إلى تسوية شاملة، لكن هل تقبل واشنطن بذلك؟
صحوة مصالح لا صحوة إنسانية
إنّ غياب التوافق لا يعني سقوط السودان من الحسابات والاهتمام الأميركيين، بل ستعود واشنطن مرة أخرى، وبأدوات جديدة. ويبدو أنّ صحوة أميركية قد حدثت مؤخراً، لا تقتصر على السودان، بل تمتد إلى ليبيا أيضاً، وهي صحوة مصالح وحسابات أكثر منها صحوة إنسانية.
المرونة التي أبدتها الخرطوم في الموافقة على الإطار العام للمبادرة الأميركية لم تكن كافية من وجهة النظر الأميركية، لأنّ اشتراط انسحاب قوات الدعم السريع يُعد قبولاً مشروطاً. وترى واشنطن أنّ ذلك ينسف أساس المبادرة، التي تقوم على وقف إطلاق النار الفوري من دون شروط مسبقة.
وبالتالي، لا تزال الأطراف المتحاربة بعيدة عن التوصل إلى اتفاق نهائي. على الرغم من الموافقة المرنة للحكومة والجيش السوداني على الخطوط العريضة للمبادرة الأميركية، تظل فرص نجاحها على أرض الواقع مكبلة بعقبات جوهرية، تجعلها أقرب إلى “التهدئة المؤقتة” منها إلى السلام المستدام.
القرار السوداني وحسابات الخارج
إنّ نجاح المبادرة الأميركية أو فشلها، والوصول إلى إنهاء الحرب، لا تقتصر حساباته على موافقة الأطراف السودانية المعنية فقط. فهناك لاعبون إقليميون ودوليون لهم أذرعهم في الداخل، ودخلوا على خط الأزمة السودانية. وبالتالي، فإنّ أي مبادرة أو خطة لا تستحضر هؤلاء اللاعبين، ولا تراعي مصالحهم وحساباتهم، لن تمر ولن تنجح، وسيجري إجهاضها قبل أن تبدأ. القرار السوداني، باختصار، بات يُصنع وفق حسابات ومصالح أطراف خارجية تدعم أمراء الحرب الفرقاء والأشقاء وتمولهم وتسلحهم.
إنّ مستقبل المبادرة الأميركية، إذا لم يقترن بضغط دولي حقيقي على قادة الحرب، وبتحييد الأطراف الخارجية التي تعبث بالملف السوداني من الداخل، سيعني أنّها ستبقى مجرد محاولة دبلوماسية أو حبراً على ورق، أو مسكّناً موضعياً، في أفضل الأحوال، لبلد ما زال ينزف.
الحل في السودان بحاجة إلى معالجة جذور الأزمة، لا إلى مجرد تقديم المبادرات، وهو بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية، وشراكة وطنية، وتوحيد القرار العسكري، وبتر أذرع الأطراف التي تستغل الحرب في السودان وتوقد نارها. وقف الحرب في السودان ممكن من دون وصاية أو رعاية أميركية، فالشعب السوداني قدّم تاريخاً طويلاً من التعايش والتفاهم والوحدة، لكن السلام بحاجة إلى إرادة وشجاعة تقدّمان شعب السودان ومصلحته الوطنية على المصالح الشخصية والحسابات الآنية الضيقة لأمراء الحرب.
وإذا لم يتفق الفرقاء في السودان على الحل والسلام وإنهاء الحرب بإرادتهم، فلن تستطيع مبادرة أميركية أن توقفهم وتجبرهم عليه. والمفارقة أن ينتظر فرقاء السودان الحل من واشنطن ويراهنوا عليه، وهي التي قصفت السودان وحاصرته حتى قُسّم.



