كونديـــرا .. فـــارس الروايـــة الحديثـــة

أحمد رمضان ـ مصر
مارد الرواية الحديثة وفارسها الأخطبوطي، الذي جعل من (الفلسفة) بكل ما فيها من تعقيد، مجرد رواية مبنية على عديد الأفكار المشتتة التي تشغل البال ولا تُريحه، إلى جانب الأطروحات الأيدولوجية الفاشية التي صدمت صادقين الرأي والفكر.
عن التشيكي الفرنسي (ميلان كونديرا) راهب الرواية الجديدة في زيّها الحداثي الذي يبرز ما يعيشه الإنسان من واقع مضمحل نتيجة للغزو التكنولوجي الرهيب وغيره من حولنا مما ولّد إنسان المظاهر والحداثة في أبشع صورها.
في عام 1975م سمح لكونديرا بالهجرة مع زوجته (فيرا هرابانكوفا) من تشيكوسلوفاكيا للتدريس في جامعة رين في فرنسا في الأعوام ما بين 1975 ـ 1978، ثم سحبت الحكومة التشيكية عام 1979م الجنسية التشيكية منه. ولكن قبل ذلك حدث المنعرج الأهم في حياة كونديرا، كان قد شارك بتحرير تشيكوسلوفاكيا ما بين عام 1967 ـ 1968م وهو التحرير الذي كان سريعاً ومتهوراً بعض الشيء، وحدث بعد الإحتلال السوفييتي للبلاد أن رفض كونديرا الإعتراف بأخطائه السياسية، ومن ثم هوجم من السلطات التي منعت جميع أعماله وفصلته من وظائفه في التدريس كما طردته من الحزب الشيوعي.
كان ذلك الحدث الجليل هو المادة الذي خطّ منها كونديرا بنات أفكاره التي ستغير مجرى الرواية الحديثة أجمع، عمّا يعتري الإنسان في العصر الحديث من هواجس وضلال ظلّ يعيش فيه. تعدّ رواية (المزحة 1967م) هي أولى روايات كونديرا الحيّة، فقد بوّأته مكانا عالياً في مسرح الأدب العالمي، فقد صوّر فيها بأسلوبه المتهكّم حالة الإنسان المقموع في ظل النظام الإشتراكي في تشيكوسلوفاكيا بدءاً من أواخر أربعينيات القرن الماضي إبان حكم الحزب الشيوعي لها، وكما يبدو من عنوان الرواية فالعامل الأساس فيها هو مزحة يرسلها بطلها «لودفيك» لحبيبته عبر بطاقة بريدية، لتصبح دليلًا دامغًا على عدائه للشيوعية، وتكون تلك المزحة منعطف حياته الأكبر فيما بعد. تلتها بعد ذلك روايات تعبّر عن مدى فكر كونديرا ومهاجمته للشيوعية بعدما كان أحد أبرز المنتمين لها ، فأصدر (حفلة الوداع 1976م) و(الضحك والنسيان 1979م) الذي يعد من أحد أنجح أعماله، وهو سلسلة من التأملات الساخرة في نزعة الدولة الحديثة لإنكار ذاكرة الإنسان والحقائق التاريخية وطمسها، تماما كما عاش كونديرا. إلى أن جاء الدور على واحدة من أشهر روايات القرن الماضي (كائن لا تحتمل خفّته 1984م) حيث جاء فيها سبر لأغوار الذات البشرية في عصر الحداثة.
فقد أصبح كل شيء طي السرعة ولا يبقى محله، وأصبح الإنسان طائراً بأفعاله وأحداثه، ولا يبقي على شيء كان، فإننا جميعاً كائنات لا تُحتمل خفّتها نسعي لغيرنا ونريد له الرضا ولكن رضا الإنسان غاية لا تُدرك، وعليه فلنتوجه لمقولة بيتهوفن (ليس من ذلك بُدّ) ولنعش بخفة وننفض الثقل. تعبّر تلك الرواية عن فكر كونديرا ونزعة روايته المطاطية التي لا تشبع منها، فيها الفلسفة وسبر الذات الإنسانية والأسلوب السلس والحكايات الدرامية التي لا تشبع النفس من شدة الحكي وبراعته.
توجد فكرة شغلت بال أكثر الكتّاب والمؤلفين في شتى المجالات، فكرة الإنسان نفسه ومدى بقائه حياً على المعمورة وذكراه عليها، وحلمه الوجود لأجل غير مسمى في برجه العاجي في نعيم لا حدود له، فكرة (الخلود 1990م) والتي تعدّ أجمل ما كتب كونديرا بل هي صورة في طبيعة الابداع الفني، سراب المخيلة الأبدي الذي تسعى له البشرية جمعاء عبر أحداث تصنع من هذا وذاك لتبقى في ذاكرة التاريخ بعملك لا بجسدك أو شخصك. إن (الفكرة) في رواية الخلود لكونديرا جد غريبة وغير مألوفة عبر صور وأفكار متعددة في هيأة قصص تنتهي بكيفية ترك كل شخص في الرواية ذكرى تبقى في أذهان من بعده، لعل أبرزها كانت قصة (بيتينا وغوته).
كانت الأحداث في تلك الرواية تسير بشكل رجعي في طريقة لم تكتب عبثاً بالمرة، تُسير لعاب أي قارئ، في دلالة واضحة عن عبقرية من يكُتب.
ميلان كونديرا، هو أشهر فيلسوف روائي عبر فن القصة بمدى بُعدها، فلم ينل نوبل بسبب توجهاته اليسارية من قبل ومهاجمته لها من بعد، لا يعلمون أن قيمة الجائزة تزداد بإضافتها لكونديرا وليس العكس.
أحد أبرز من خطّوا قلمهم في فن الرواية وكيفية صياغتها حديثاً، بل هو مغيّر مجرى الرواية ونوعية أسلوبها.
ففي جلّ رواياته عبث وأحداث غريبة تُرهق فكر من يقرأها، ولكن في نهايتها وبمجرد الوصول لنهاية القصة تشعر بعظمة من كتب تلك السطور، ومدى دهائه ومبادئه.



