الأعلـــم فالأعلـــم
حسن هاشم
كانت السماء سوداء، ملبدة بالغيوم، يظهر على محياها أمر غريب. وغسان ذلك الفتى الطموح يطلُّ من النافذة على فِناء دار جاره العجوز. يرقب حركاته. بل لا يكتفي بالمراقبة العابرة، فهو يتابعه حتى خارج داره، انه مولع بالمراقبة والتقصي، مع سبق الإصرار والترقب. بالرغم من سيل النصائح بترك هذا الامر من أهله وأصدقائه.
يستيقظ العجوز من نومه مذعورا، مثل طير تحاصره الشباك، يهمُّ للخروج، يقدم قدما ويؤخر اخرى. وغسان يراقبه بدقة متناهية، يا إلهي! ما هذا الذي يجري؟ كل يوم يؤدي الحركة نفسها. مثل مهرج في سيرك يتدرب لتقديم عروضه في المساء أمام النظارة.
يخرج العجوز من داره، متوجّهاً الى مشفى الامراض العقلية في نهاية الشارع الذي يقع بيته فيه، ثم يخرج ليجلس في الحديقة العامة، وبعدها يعود الى البيت حاملا معه اوهامه وبعضا من معلومات عن المرضى النفسيين.
خرج غسان من بيته مسرعا، اقترب من العجوز وألقى التحية عليه وجلس جانبه. نهضا سوية. سحب العجوز الفتى من يده اليمنى. تكلما عن الرحلة اليومية المملة التي يقوم بها العجوز كل يوم. تحدث العجوز بآخر النظريات العلمية في الطب النفسي. لقد احس غسان انه بئر من المعرفة والثقافة لا ينضب. وانه عثر على كنز لا يعوض. لذا قرر ان يزوره في اليوم الثاني مبكرا.
طرق الباب صباحا. لم يجبه احد.. طرقها مرة ثانية وثالثة. أجال بنظره في الجانب الأيمن من سياج الحديقة الخارجية فوجد مظروفا. فتحه بعناية فائقة، واذا بورقة مكتوب فيها: «لا تفوّت الفرصة، خذ حكمتي بقناعة، رأس الأعلم لا يباع ويشترى.. الأعلم فالأعلم».



