النسخة الرقميةثقافية

قـــراءة فـــي أدب الطـــف

قاسم وداي الربيعي

 

أدب الطف هو ذلك الأدب الذي إختص بثورة الحسين وما رافقها من العبث الفكري والإنحدار الإنساني, ولم يقتصر هذا الأدب على شعراء طائفة معينة بل تعدى ذلك ليشارك فيه شعراءُ عربٌ من مختلف المذاهب, وقد شارك في هذا الأدب الشعراءُ المسيحيون أيضا, ليكون فيما بعد أدباً خاصاً أُطلق عليه بــ(أدب الطف), ولم يقتصر هذا على القصيدة فقط، بل تعدى ذلك للتأليف والسِيَر بالإضافة إلى المسرح الشعري.

وقدِ اختلف أهل التاريخ في أول من كتب لهذا الأدب, فقيل أن عبد الله الحر الجعفي هو أول من كتب قصيدة يرثي بها الحسين لأنه شعر بالذنب حينما دعاه الحسين للنصرة فلم ينصره واكتفى بالقول: هاك سيفي وفرسي. فقال له الحسين «إن بخلت عنا بنفسك فلا حاجة لنا بسيفك وفرسك». وقيل أن أول من رثى الحسين هو سليمان بن قتة العدوي عندما مرَّ بكربلاء ونظر إلى مصارع الشهداء, وذلك بعد الموقعة بأيام فقال:
فلا يبعد الله الديار وأهلها
وان أصبحت منهم برغم تخلت
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة
لفقد حسين والبلاد اقشعرت
وقيل أيضا أن أول من رثى الحسين (ع) هو وهب بن زمعة الجعفي عندما وقف على قبر الحسين وقال:
فاقسم لا تنفك نفسي حزينة
وعيني سفحاً لا يجف سجومها
اما القول الرابع في أول من رثى الحسين (ع) فقيل هو بشر بن حذلم. وأنا أجد هذه الرواية ضعيفة من خلال ما قرأت لكتب التاريخ التي تناولت أدب الطف وسير الحسين عبر رحلة الاستشهاد ورحلة السبي, وقد عاد الشاعر بشر بن حذلم مع ركب الحسين مع الأسرى بعد أربعين يوما قادماً من دمشق إلى المدينة المنورة, ويبدو أن الحر الجعفي هو الأكثر حظا ممن كان هو الأول مَن رثى الحسين (ع) برغم أنه خرج من الكوفة هاربا من بطش الأمويين، ورفض طلب الحسين من الإنظمام إلى جيشه والالتحاق به. وحين استشهد الحسين عاد الجعفي إلى الكوفة فاتهموه بأنه نصر الحسين فهرب ثانية من بطشهم باتجاه كربلاء بعد أربعة أيام من الواقعة وهناك قرأ قصيدة التي يقول فيها.
أيا لك حسرة ما دمت حياً
تردد بين صدري والتراقي
غداة يقول لي بالقصر قولاً
أتتركنا وتعزم بالفراق
حسين حين يطلب بذل نصري
على أهل العداوة والشقــــاق
ثم توالت القصائد والشعراء حتى أن الشعراء كانوا يُلقُون قصائدهم خِفيةً في زمن الدولة الأموية كما ذكره الأصفهاني والدولة العباسية أيضا, وقدِ اشتهر بعضهم وكان مقرباً بعض الشيء من بيوتات آل النبي، كالحميري الذي لقبوه فيما بعد بالسيد الحميري أو سيد الشعراء، والكميت بن زيد ألأسدي الذي كتب قصيدة الهاشميات البالغة أبياتها خمسمئة وثمانية وسبعين بيتا. وهناك أسماء كثيرة لا يمكن حصرها من إعلام الشعر العربي: أبو تمام، أبو فراس الحمداني، الصاحب بن عباد، الشريفان الرضي والمرتضى، أبو العلاء المعري، مهيار الديلمي، وغيرهم من نجوم الشعر في العصرين الأموي والعباسي.
ومن أبرز شعراء القرن الهجري الأول ولعل أشهرهم في العصور الحديثة والذين لا يزال صدى شعرهم يتردد على المنابر السيد حيدر الحلي (رحمه الله)، هذا الشاعر عندما نقرأ قصائده نتأثر بشعره ويتأثر المستمعون أيضا، ولعل من شعراء الحسين في كربلاء الشيخ محسن أبي الحب وأسماء كثيرة لا يسع ذكرها هنا.
وتتابعت مسيرة شعراء الحسين (ع) فبرزت بعد ذلك أسماء لامعة في تاريخ الأدب العربي واكبت هذه المسيرة: صفي الدين الحلي، ابن العرندس، ابن داغر، رجب البرسي، وغيرهم. وفي العصور الأخيرة ظهرت أسماء أخرى: عبد الحسين الحويزي، جعفر الحلي، وشعراء بغداد. كما كتب شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري قصيدتين في الحسين خطت أبياتها على المرقد الحسيني, وأعتقد أنه لا يوجد شاعر لا يذكر في تجربته الشعرية الحسين، ربما إلا القليل ممن لا يرون ثقافة الحرف هي انتصار للشعوب والحضارات.
وتغلغلت قضية الحسين إلى نفوس الشعراء المسيحيين ويطالعنا الأدب العربي بقائمة كبيرة من قاماته السامقة من الشعراء والأدباء المسيحيين استلهموا من علي والحسين الروح الإنسانية الكبيرة، فكتب الشاعر اللبناني بولس سلامة ملحمة (الغدير) التي تبلغ أكثر من ثلاثة آلاف بيت، كما كتب ملحمة (علي والحسين) التي تبلغ (220) بيتا، وكتب عبد المسيح إنطاكي (الملحمة العلوية) التي تبلغ (5595) بيتا، وكتب ريمون قسيس ملحمة (الحسين).
أما على صعيد التأليف فقد ألف عن الإمام علي والحسين الكثير من الأدباء المسيحيين، منهم: سعيد عقل، وأمين نخلة، ونصري سلهب، وسليمان كتاني، وخليل فرحات، وجوزيف الهاشم، وجورج جرداق، وإدوار مرقص، وجورج شكور، وريمون قسيس، وغيرهم.
وهنا لا ننسى عباس محمود العقاد وأحمد شوقي وبنت الشاطئ ونزار قباني وأسماء كثيرة لا مجال لذكرها للفائدة في اختصار المقال.
واستمر هذا الأدب مع استمرار الأدب والأدباء ولم يقف عند قصيدة العمود فقط، بل كتب الشعراء نثرا وتفعيلة, حتى الشعر المسرحي لم يبتعد عن أدب الطف، فكتب عبد الرزاق عبد الواحد مسرحيته الشعرية (الحر الرياحي) التي مثلت على خشبة المسرح العراقي.
ويقول عبد الوهاب البياتي في قصيدة (الموت في غرناطة):
وَيحْي على العراق
تحت سماء صيفه الحمراء
من قبل ألفِ سنةٍ يرتفع البكاء
حزناً على شهيد كربلاء
ولم يزل على الفرات دمه المُراق
يصبغ وجهَ الماء والنخيل في المساء
واليوم وبعد مضي أكثر من 1380 عاماً ما زال أدب الطف هو الأكثر وجوداً في المحافل الشعريَّة، وقد أقيمت في العراق سنويا مهرجانات شعرية تستذكر فاجعة كربلاء شعرا وتكشف عن هويتها وتسجّل حضورها، وكان الشعراء يتسابقون في الكتابة لسيّد الشهداء لأنه الشرفُ العظيمُ كما قال لي الدكتور محمد حسين آل ياسين.
وقد جَمَعَ الأستاذُ السيّدُ جواد شُبّر موسوعته من 10 أجزاء التي جمع فيها بعض شعراء الطف, وإن لم يجمع أدبَ الطفِ بأجمعه إذ يحتاج مئات المجلدات.
واختمُّ مع سيمفونية نزار قباني (سميتُك الجنوب):
سميتكَ الجنوب
يا لابساً عباءةَ الحسين
وشمسَ كربلاء
يا شجرَ الوردِ الذي يحترفُ الفداء
يا ثورةَ الأرضِ التقت بثورةِ السماء
يا جسداً يطلعُ من ترابهِ
قمحٌ وأنبياء
سميّتُك الجنوب
يا قمر الحُزن الذي يطلعُ ليلاً من عيونِ فاطمة
يا سفنَ الصيدِ التي تحترفُ المقاومة..
يا كتب الشعر التي تحترف المقاومة..
يا ضفدع النهر الذي
يقرأ طولَ الليلِ سورةَ المقاومة
ولأن الحديث عن أدب الطف يحتاج مساحة كبيرة ومجلدات لهذا إختصرتُ الحديث لأقف قليلاً على أدب كبير لم يتناوله أهل الفكر والتخصص إلا قليلا ورغم محاولة البعض إدخال أدب الطف للدراسات الجامعية لكن بقيت هذه الرغبة طي النسيان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى