أوضاع العراق الداخلية وآفاق عام 2018

د. أسعد كاظم شبيب
انتهى عام 2017، وأقبل علينا عام ميلادي جديد يحمل أماني العراقيين أن يكون عام استقرار سياسي، وازدهار إقتصادي، وبناء الدولة بعد الخراب الذي حل بها طوال السنوات المنصرمة بفعل نهب زمر الفساد المتشعبة لأموال الشعب والدولة واستغلال مؤسساتها، وعبث جماعات الإرهاب بالبشر وإضرارها بكيان الدولة وتعايش شعبها السلمي.وما بين الاثنين (الفساد والجماعات الإرهابية) هناك التدخل الإقليمي الفاعل السلبي الثالث في كل مفاصل الحياة السياسية العراقية. لكن اللافت أن 2017 قد كان مختلفا عن السنين السابقة، وبدأت بعض السلبيات على المستوى الأمني تتراجع يوم بعد آخر، ودلائل هذا الاختلاف تكمن في حدث مهم للعراق والعالم من خلال استطاعة العراقيين (الجيش والشرطة والقوات الساندة) من تحقيق انتصار كبير على تنظيم داعش وطي سجل سيطرته الغاشمة سياسياً وعسكرياً على مناطق غرب وشمال العراق، وإنهاء تهديده المباشر على كل المدن والمحافظات العراقية دون أن يعني ذلك زوال خطر خلاياه وإتباعه بالكامل خصوصاً وأن أغلب التنظيمات الإرهابية تؤمن بما يسمونه بمرحلة (الكتمان) بعد الهزيمة العسكرية واللجوء أيضا بأنشطتهم إلى الأمور الداخلية.
وبقدر تعلق الأمر بالعام الجديد 2018 فإن العراق أمام تحديات كبيرة وترقب لمعالجة ملفات مالية واقتصادية ينظر إليها العراقيون بعين الحيرة والتذمر، حيث يكاد تكون معالجة ملف الفساد الضارب بأطنابه كل مؤسسات الدولة تقريبا الملف رقم واحد، حيث أدى الفساد إلى هدر مليارات الدولارات من ميزانيات الدولة العراقية طوال السنين السابقة، وعطل عجلة النمو الاقتصادي والعمراني، كما أن ملف الفساد هو الأكثر تعقيداً وغموضاَ من بين كل الملفات الأخرى بل أن ملف الفساد تفوق حتى على ملف الإرهاب كما سبق، وأعلن حيدر العبادي رئيس الوزراء في العراق عن عزمه بإجراءات حقيقية لمكافحة آفة الفساد.
ويعود السبب في تعقيدات ملف مكافحة الفساد إلى مجموعة مسائل رافقت العملية السياسية في العراق، منها تأسيسي كالمحاصصة الطائفية والحزبية في تقاسم السلطة، ومنها ما هو اجرائي فالعملية السياسية الجديدة في العراق تقوم على أسس من المفترض أن تكون ديمقراطية، ونظام سياسي يعتمد على دستور مكتوب، وهناك البيروقراطية الإدارية، والجانب القضائي، فهناك مسألتان تؤخران مكافحة الفساد هما:
1- العجز السياسي الناجم عن المحاصصة الطائفية والحزبية، وهذا يحتاج إلى أدارة قائمة على أساس التخصص والكفاءة حتى تقوم بمحاسبة المفسدين والمقصرين والمتواطئين.
2- البطء التنفيذي والقضائي، ويرجع إلى أسس مكافحة الفساد في العراق عن طريق آليات الإصلاح التدريجي الذي اعتمدته حكومة العبادي، وهنا يحتاج العراق إلى مراجعة نظامه الإداري والقضائي فضلاً عن الاستفادة من الخبرات الأممية في مجال التحقيق حتى نسرع من معالجة هكذا ملفات مؤثرة على تحسين الجانب الاقتصادي (الصناعي والزراعي) والنهوض بالجوانب الخدمية والعمرانية والاستثمارية في العراق.وهناك عملية انتخابية مرتقبة ترتبط ارتباطا مخرجاتياً بملف مكافحة الفساد حيث يعول الناس في العراق على الإنتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات المزمع أجراؤها في منتصف عام 2018 وما تفرزه من نخب قيادية مهنية ولجان تشريعية جديدة صانعة للقرار السياسي، فهل تختلف انتخابات عام 2018 البرلمانية والمحلية عن سابقاتها ؟.ربما تختلف من حيث تغير الخطابات السياسية من التركيز على الدعاية الانتخابية الطائفية والقومية إلى الدعاية الوطنية المنسجمة إعلامياً مع طموحات الشارع العراقي في مكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة السياسية والحزبية والنهوض بالاقتصاد العراقي، كما تحاول الكتل السياسية رفع مستوى مرشحيها من الحزبيين والأعضاء العضويين إلى التأكيد على التخصص ومهنية واستقلالية مرشحيها.
وبرغم أن الإنتخابات البرلمانية والمحلية قد تشهد صعود كتل سياسية جديدة ذات طابع مدني ووجوه مستقلة وتكنوقراط، لكن بالمجمل تبقى الكتل السياسية التقليدية (بإنشطارات جديدة وتحالفات مغايرة) مسيطرة على البرلمان المقبل وبالتالي على تقاسم الرئاسات الثلاث وزارات الدولة على وفق آليات سابقة من المحاصصة الطائفية والقومية والحزبية المألوفة عند أغلب العراقيين، لأن صعود هذه الكتل ونزولها يعتمد على النظام الإنتخابي، وطالما أن الكتل السياسية في مجلس النواب الحالي مصرة على الإبقاء على قانون سانت ليغو حتى لو كان هناك تعديل في آلية قسمة الأصوات الانتخابية فإن قانون سانت ليغو أفضل نظام انتخابي يضمن للكتل السياسية الاستحواذ مرة بعد أخرى على مجريات العملية التشريعية والتنفيذية في العراق في حين المصلحة الوطنية تفترض تشريع قانون انتخابي جديد يكون مختلف كليا عن قانون سانت ليغو النافذ ينسجم النظام الانتخابي الجديد وحجم المشاكل التي يمر بها البلد الناجمة عن فشل الكتل السياسية وسوء استعمالها للسلطة.
وعلى صعيد المسألة المتفاقمة ما بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كُردستان أثر خيار الأخيرة والتيار القومي المتشدد في إقليم كُردستان بإجراء الإستفتاء لقيام كيان كُردي مستقل عن الدولة العراقية وما لحقه من إجراءات عسكرية سريعة من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد والدخول إلى مناطق عديدة في الموصل ومدينة كركوك بالكامل بعد أن سيطر عليهما الكُرد بحكم سياسة الأمر الواقع، وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر من أزمة الإستفتاء مازالت مشكلة كُردستان العراق قائمة وبلا حل ومن المتوقع استمرار الأزمة خاصة وأن هناك مسائل لم تحل لغاية الآن منها مسألة مطالبة حكومة العبادي بتسليم المطارات، والمنافذ الحدودية، والإقرار رسمياً بإلغاء الإستفتاء من قبل حكومة إقليم كُردستان.
وبغض النظر عن تركيبة الحكومة الاتحادية المقبلة، وشكل التحالفات التي قد تعقد ما بين التحالفات الشيعية، والتحالفات الكُردية إلى جانب التحالفات السنية المقبلة لكن أي طرف رسمي فاعل في بغداد لا يستطيع أن يعطي للكُرد مناطق خارج الحدود إقليم كُردستان لعام 1991 إلى جانب مسائل شائكة أخرى كتصدير النفط من قبل الإقليم والحصة السنوية من الموازنة العامة خاصة بعد سيطرة السلطات الاتحادية على مناطق عديدة واسعة في شمال العراق وما يواجهه الإقليم من أزمات اقتصادية وصراعات حزبية، وارتفاع حدة الاحتجاجات الشعبية في مدن السليمانية وحلبجة ومدن أخرى على سياسات حكومة إقليم كُردستان.
وبالتالي فإن الخلاف ما بين الحكومة الاتحادية المقبلة وحكومة إقليم كُردستان قد يتخذ أحد المنحيين: المنحى الأول تبقى المشكلة القائمة ما بين حكومة بغداد المقبلة وحكومة الإقليم مما سيكون له أثر سلبي كبير على استقرار النظام السياسي في العراق وتعطيل نموه الاقتصادي والاستثماري.
والمنحى الثاني: قد نشهد حوارا شاملا (لكنه قد يبقى حلا وقتياً بالنسبة للكُرد) ينهي حالة الخلاف، وهذا يتوقف على استجابة حكومة الإقليم لشروط بغداد كاملة، وما قد تقدمة حكومة بغداد من تنازلات اقتصادية وسياسية تضمن للكُرد حل أزمات داخلية عالقة منها أزمة الرواتب، والمشاركة بفعالية أكبر في صنع القرار السياسي داخلياً وخارجياً.



