النسخة الرقميةثقافية

خان الشابندر: تحولات الزمان والمكان

أمين غانم

كم هي قاسية تلك الحيرة التي تتساوى عندها كل التناقضات، تسري في الأذهان ببرودة كل النزعات والإيحاءات المبهمة، لا معنى للحب، لا مغزى للكتابة، ولا متعة للإبداع، إيغال في فلسفة الوجود مجددا بإعادة كل الدلالات لمبدئها الاول دون الإكتراث لراهن كل الحضارات والثقافات، ضرب من ردة الذات بمفردها لجدليات كثر لطالما تجاوزتها الأمم نسبيا، لكنها هنا تبدو كمحاولة للسفر بعيدا على ظهر الرموز الأزلية ولا سيما تلك التي ما تفتأ في استدعاءاتها المغرية للفن بمنح إنسانه طاقة مثلى للعودة.
هكذا بدا عالم محمد حياوي، كسديم للا يقين، للا قدرة على التوقف عند المرامي القطعية للفعل والحركة، تاركا كل ما يدور في المخيلة لفلسفات الما وراء والما بعد، ليعطي الخيال مجالا أوسع من خيالات أبطاله، جموح سحري لا يخل بموضوعية الأحداث بل يوازيها كبعد جمالي حينا، ويؤازرها حينا آخر من الخلف، في إنتشالات مباغتة للشخوص من براثن سوداوية محدقة، لتمضي الحكاية في توليف الخيوط الرفيعة ،كمعادلة حافظة للتوازن النفسي لأفرادها، تتدفق بتشويق سلس، ضافية على الوقائع المرعبة غشاوات تحس ولا ترى، كي تنزلق تباعا من وجدان المتلقي، فلا أثر للتفجير عند المتلقى، فالعاطفة تحتشد بمعية الخيوط القطنية، صعودا وهبوطا للحكاية، لتسقط الشخوص بشكل جماعي في مشهد غرائبي أخير.
إنه عالم غامض ربما يبدو كخصوصية سردية لا تبغي الكشف عن نفسها، لكنها ايضا لا ترتئي أن تتحول لمعالجات رمزية شافية لبؤس جماعي مطبق، بقدر ما تمضي كالحقائق في إرتخاءاتها المؤلمة، أشبه بإتكاءات الجسد المتهاوي لجذع شجرة ظليلة، لتتوزع بطولات السرد كمآلات لحروب وأحداث، إنتصارات وإنكسارات لأكثر من نصف قرن من الزمن، شكلت بمجملها مستقبل جيلين او أكثر في بلاد الرافدين، اإنتفاضة الجنوب 91 وغزو العراق 2003، ابو حسنين المصري وسائق التاكسي الرجل الخمسيني المحروق اليد، حرب 1980، ام غائب القصف العشوائي والوحشي لجيش الإحتلال الامريكي، ضوية الهجمة الوحشية على المرأة في غياب القانون وسقوط الدولة كضمير إخلاقي رادع منذ 2003.
هكذا جمع حياوي قصاصات الألم العراقي بأناة، ليضعها كخلفيات مقتضبة لأبطال نازفين، محاولة ذكية للتخفيف عن كاهل السارد، او بالأحرى العمل على تعدد الرؤية الإيديولوجية قدر الإمكان للخوض في إلتباسات الحروب القذرة، والتي تتطلب حتما شيئا من إبداء الرأي والموقف، ليمضي علي موحان (السارد) بحرية في غمار فضاءات مشرعة لجدليات التعافي الظاهري لابطاله، في هيام ما يفتأ في انسيابه السحري بين عالمين، داخل الماخور وخارجه، في مشاهد متناوبة تشي بتشتيت العذابات وامتصاصها وممارسة الغواية على خيوط مهترئة توصل زفرات الأزمنة بإحتقانات الأمكنة، مقارنات حوارية تتناوب في إلتقافه من براثن مهلكات كثر، والتي تطارده بضراوة لا تحتمل (المثقف تحديدا)، وتمرره كفيض المكان للإنسان على أسنة مدببة لتناقضات عالقة بين الروح والجسد، الطوطم والتابو، اللذة والألم، الواقع والخيال، العقل والجنون، في جدلية المكان والزمان لهدهدة آماله بإغراءات الخروج من معبد يتداعى للتو، أشبه بإعادة صياغة كل مسلمات اللذة مجددا من ابيقور لافلاطون وحتى فرويد، ضمن إستحياء سردي للإطاحة بأي من تلك المعاني المتدرجة حضاريا، وتفضيل البقاء في ظلالات التحليق العالي للإنسان فوق جغرافيا مسدودة الأفق والحيلة، لتموج الحكاية كظلال للتواري المثقل بمحاذير الفكرة الجذرية للأنثى، غاية للفضيلة وأصلا للوجود، سيدوري، حواء، مريم العذراء.. الخ، حتى تلفظه (الفكرة) كرغبة حائرة الوجود، طاقة مجبولة بفقد الإنسان الإيمان المطلق لأصل الخطيئة.
كل ما سبق لا يعد الإ تحليلا ساذجا ما لم يخض في تقنية خان الشابندر، وكشف براعة الكاتب في تقديم الشخصية المركبة، على غرار الواقعية السحرية لغابرييل غارسيا ماركيز، وعلى طريقته في خلق شخصيات كونية خاص به وبعالمه الأدبي.
فمن تلك الدلالة الخلاقة، يمكن الدخول لعالم محمد حياوي، والذي حتما سيؤسس لتركيب شخصياته بخصوصيات عربية وعراقية وبإبداعه هو، فشخصية مجر، التاجر العتيق، ليست إعتيادية ذات مستوى افقي محدد، بل شخصية مركبة، معقدة بدهشة اللا معقول، متداخلة بالمكان لحد التعبير عنه والإفصاح عن ذاكرته الحضارية، يصفه قائلا: عجوزا يجلس على صفيحة مقلوبة أمام دكانة صغيرة وهو يدخن.. كان منظره غريبا بعض الشيء إذ عصب رأسه بعصابة حمراء مرقطة على طريقة القراصنة ص 78.
حتى يقول: كان ثمة تجعيدتان كبيرتان على جانبي فمه، جعلتاه كما لو كان مبتسما طول الوقت على الرغم من جديته ولا مبالاته ص 79.
هكذا أشتغل حياوي على تجربة التركيب، فسالم محمد حسين كذلك، حضور غرائبي، ليس سهلا، ولا حتى فلاشا، لتغدو خان الشابندر غاية أدبية لخلق الشخصية الرمزية وتخليدها بعوامل سحرية مدهشة للمكان و الزمان والإنسان.
تجربة فنية، مفعمة بملكات تتقن الخروج من أكثر من إطار، كمنظور لوحة الرسام الإسباني بيردل بوريل (الخروج من الإطار)، حيث خلاصتها تقول:
لو خرجت من الإطار الذي احطت نفسك به وأحاطتك به البيئة من حولك لاندهشت من حجم الإبداع الذي بداخلك..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى