اراء

زهرة والعملية السياسية

مصطفى الدراجي

يقولون ان بعض الظن اثم ، ولكني سأشتغل على البعض الاخر الذي ليس بإثم ، لأني رأيت احداثها بعيني وسمعتها بأذني. فلقد عشنا في قرية صغيرة بيوتها متلاصقة حتى يكاد الذي يهمس بأذن زوجته ليلاً وكأنه يهمس بأذننا ( الكلام بيناتنه ) كنا قبل ان يخرج مصطلح الشفافية للوجود نعيش الشفافية (غصباً علينه)، وكنا قبل ان يصرح ماكلوهان بأن العالم اصبح قرية بفضل وسائل الاتصال، كانت جدران الطين في قريتنا وعجائزنا اللواتي يتسابقن للجلوس على باب الدار من احسن وسائل الاتصال فلا اشتراك في قمر صناعي ولا رقابة هيئة الاعلام والاتصالات ولا محاكم النشر والغرامات التي اصبحت تجارة رائجة لوصول مبالغها الى مليار وملياري دينار والتي لم نسمع عنها حتى في قصص الف ليلة وليلة ، بقادرة على ان تحد من فاعليتهن . كانت زهرة حالها كحال معظم نساء القرية ، زوجة صالحة وأم لبنين وبنات وكنا لم نسمع لها صوتاً لا في خير ولا في شر وعلى رأي المثل ( كافيه خيرها شرها ) ولأن القرية كانت آمنة لم يدخلها مهاجر رأى من عجائب الدنيا ما يُدهش وبدل من ان ينقل تجربة تلك الدول في تقدمها وطرق اخلاصها في الوصول الى رفاهية شعوبها تراه يبدأ بنشر الغسيل القذر لتلك الدول من انواع العلاقات غير الشرعية الى الابتذال . نعم ، لم نعرف ما يدور في القرى المجاورة وليس لنا شأن بها ولم يعكر صفو امزجتنا اية احاديث جانبية غير بيت ابو جاسم اليوم طابخين ( تمن وفاصوليا ) وبيت ابو عباس (اجاهم خطار وما عدهم خبز) و( بلكت راس بصل وطماطية لبيت ام جعفر ) هكذا كانت حياتنا وحياة زهرة التي تعيش بين ظهرانينا، (طبعاً زهرة لها زوج واسمه عدنان ولكن الى الان لا اعلم لماذا يطلق اهل القرية على اهل هذا البيت باسم الزوجة وليس باسم الزوج واعتقد هذه العادة لا تزال موجودة في معظم مناطق بغداد على حد علمي ودائماً ما اسمع بيت ام فلان وليس بيت ابو فلان) . نعم ، كان الوضع طبيعياً حتى حلَّت علينا لعنة التلفزيون الذي بدأ يضخ علينا أفكاراً لم نعهدها من قبل مثل الاقليات والطائفية والاثنية والمحاصصة والمساومة ، فاستجاب لها بعض وعارضها آخرون . ولكن، وفي صبيحة احد الايام أيقظنا من نومنا صوت ( صرّة اهدوم ) زهرة . وللذي لم يسمع بـ ( صرة الهدوم )نقول: كانت النساء التي تسافر او التي (تزعل) من زوجها تجمع ملابسها وحاجياتها المهمة وتجعلها في قطعة قماش كبيرة ثم تعقدها عقدتين او اكثر،لتحملها معها الى أهلها وكانت هذه (الصرّة) اشارة واضحة الى زعل المرأة، وبقت هذه العادة الى زمان متأخر ، حتى اني اذكر كيف كان اهل العريس يرسلون ملابس العروس ( النيشان ) قبل الزواج بيوم واحد بواسطة ( صرر ملونة ) . نعم هبطت علينا صرة ملابس زهرة من فوق الجدار ثم اعقبها طرق الباب واذا بها زهرة ( ها زهرة خير ماكو شي من الصبح ) لم تستطع زهرة الكلام في بادئ الامر حتى اذا هدأت ثورتها بدأت الكلام وكأنها في مؤتمر صحفي : (الرجّال مهمشني ، ولا كأني شريكة وياه في العملية الزوجية ) ( احنه لمن عقدنه الشراكة آني وياه اتفقنا على حقوق كل واحد من عدنه لكنه صادر كل حقوقي وبدأ يلعب وحده بالساحة ) وبدأت الاسئلة تنهمر على زهرة من كل حدب وصوب ، منذ متى هذا الكلام ؟، ولماذا الان ؟ وبدأت تجيب عن كل هذه الاسئلة حتى نسفت كل المواثيق والعهود التي كانت بينها وبين زوجها. ولكننا بين اعطائها الحق لتسكين غضبها وبين الخوف من استمرار الازمة اتصلنا بزوجها وعقدنا الصلح ورجعت المياه الى مجاريها .

وبعد اشهر من هذه الحادثة واذا الصرة تنزل علينا من جديد وزهرة تطرق علينا الباب ثانية ( ها زهرة خير هالمرة)(مو كلتلكم الرجّال حاسب نفسه بس هو وبس ، كل القرارات اللي ياخذها ما يحسب حسابي وكأني ما موجودة )،(وشنو الحل؟) قالت والألم يعتصر قلبها ، الفراق هو الحل ، لأني لا استطيع الاستمرار معه على تلك الحال . ولم تنفع الوساطات لأن زهرة استعانت بأولاد عمومتها لأخذ حقوقها المزعومة وبين هذا الحال وذلك الحال ضاعت عائلة زهرة ..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى