اراء

صحفيون للإيجار .. التمرد يهدد فاعلية الخطاب الاعلامي العراقي

 

مسلم عباس
ينشر الكثير من الصحفيين العراقيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي افكاراً تعارض تماما ما تبثه المؤسسات الاعلامية التي يعملون بها، ودائما ما يسيرون في الاتجاه المعاكس لها، في دوامة من التناقض بين المؤسسة والذات، وحينما يعترض بعض متابعيهم على هذا السلوك المتناقض، يرمقونه بكلمات من الاستهزاء بوصفه لا يفهم في الاعلام شيئا، ثم يؤكدون له أن صفحاتهم الشخصية لا تعبر عن المؤسسة التي ينتمون اليها، انما ما ينشر هو احد تجليات الحرية الشخصية. في البدء لا يمكن انكار وجود سياسة تحريرية لأية مؤسسة اعلامية مبنية وفق معايير العمل الاعلامي الاحترافي، وهذه السياسة هي واحدة من أهم المتطلبات الاساسية في العمل، والصحفي يحتاج لمعرفة تفاصيل هذه السياسة والتي هي بالمحصلة النهائية توجه نحو جمهور معين ومن أجل ترويج أفكار معينة. وبمرور الزمن تصبح هناك علاقة بين المؤسسة الاعلامية وجمهورها الذي يرى فيها اشباعا لحاجاته من حيث التدعيم المعلوماتي والمعنوي وجعله يستشعر وجوده بوجودها، ومن ثم يرى هذا الجمهور ان العاملين في القناة الفضائية أو الصحيفة بوصفهم جزءاً منها ويعتقد انهم يعبرون بقناعة تامة عن الافكار التي يكتبونها أو يقولونها في مؤسساتهم، فيقيم علاقة متخيلة مع الصحفيين جعلتها مواقع التواصل الاجتماعي تقترب من الواقع بفعل قدرة الجمهور على التواصل مع نجوم الشاشة. مواقع التواصل الاجتماعية قد اصابت الوضع العام بالارتباك كونها فرضت واقعا جديدا، ووسائل الاعلام كانت من أكثر المتأثرين بهذه الهزات التي تحدث يوميا تحت أقدام المؤسسات الاعلامية التقليدية، والصحفيين المطيعين أمام الكامرا والمتمردين في مواقع التواصل هم المنشار الذي يقطع مصداقية الاعلام التقليدي. سلوك التمرد الصحفي على رسالة المؤسسة يحمل الكثير من السلبية ويؤثر في فاعلية الخطاب الاعلامي، حيث تنعدم المصداقية بين المرسل والمستقبل، فالصحفي هنا افرغ رسالته من محتواها وحولها الى تجارة، وغياب المصداقية ينعكس على الرسالة التي تبثها مؤسسته عن طريقه (بكونه مقدما للبرامج أو مذيعا للاخبار) أو حتى في الأفكار التي يحاول الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كونه أصبح إنسانا متناقضا مع نفسه، بل إنه خاضع للمؤسسة التي يعمل بها، ومن ثم فهو لا يتعدى كونه قلما أو لسانا مأجورا. التبرير الذي يسوقه هؤلاء الصحفيون يدرجونه ضمن عدم علائقية العمل المؤسسي مع الرأي الشخصي الذي يعبرون عنه عبر مواقع التواصل، هذا الرأي يُرَوّج له على انه نوع من الاستقلال، فالتحرر من القبود يعني لديهم ان تعمل في مؤسسة اعلامية ثم تشتم الافكار التي تروج لها تلك المؤسسة حتى وان كانت هذه الأفكار قد قيلت على لسانك بالبث المباشر أو كتبت بقلمك. لكن تحول هذا السلوك الى ظاهرة تكشف جهل الكثير من العاملين في وسائل الاعلام العراقية بأساسيات علم الاتصال الذي يضع مجموعة من الشروط من أجل فاعلية الرسالة الاتصالية أو الخطاب الإعلامي، اذ ان اتجاهات الصحفي (المرسل) ازاء نفسه وازاء الموضوعات التي يعالجها لها دور كبير في عقد العلاقة مع الجمهور المستهدف، ومن ثم تأثيرها على أفكار المتلقي وإقناعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى