اراء

«خفايا» الجرود تقلق واشنطن .. والرياض «تربك» الحلفاء

ابراهيم ناصر الدين
بعيدا عن المعطيات الميدانية المسهبة في خطابه وإعلانه الشروط المقبولة لاستسلام ارهابيي «داعش»، أعاد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وضع معركة الجرود في «نصابها» الصحيح بعد محاولات داخلية وخارجية لحرفها عن حقيقة معانيها وأهدافها الاستراتيجية، وفي توقيت اقليمي ودولي دقيق وحاسم، يعرف قائد المقاومة الكثير من خفاياه، كرّس السيد معادلتين اساسيتين الاولى اعتبار الانتصار القريب بمثابة «التحرير الثاني» بعد نصر أيار عام 2000، والثانية اضافة تعديل جوهري يحمل الكثير من الدلالات السياسية والعسكرية على ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، بإضافة الجيش السوري الى هذه المعادلة، وهو بذلك وجه رسالة بالغة الاهمية والدلالة لكل من يعنيهم الامر في الداخل والخارج حيال طبيعة التحولات المقبلة في لبنان والمنطقة، الاسئلة الكبرى لمرحلة ما بعد تحرير الجرود بدأت، في ظل «رمادية» اميركية مقلقة للحلفاء، وبحث سعودي عن «تسويات» تسمح للقيادة السعودية «بالنزول عن الشجرة»…
وكشف السيد نصرالله ان هناك خطين يعملان الآن في الوقت نفسه: الخط الأول هو الميدان، والخط الثاني الذي فُتح جديداً هو خط التفاوض. وأشار الى ان التفاوض يحصل في الاراضي السورية بناء على طلب قيادة المسلحين للبحث عن مخرج، معلنا انه لن يكون هناك وقف اطلاق نار قبل التوصل الى اتفاق، وهدف التفاوض تحقيق الاهداف أي ان لا يبقى «داعش» في الارض اللبنانية والسورية وإذا كنا نفاوض في الجانب السوري فالقيادة السورية والمقاومة ملتزمتان ان اي اتفاق كامل مع «داعش» سيكون اول بند تفاوضي فيه كشف مصير العسكريين وإعادتهم الى عائلاتهم. وأكد ان القيادة السورية ستتجاوب مع نجاح اي اتفاق ولكن بشرط طلب رسمي لبناني وتنسيق علني مع دمشق، لكنه رجح الحسم العسكري بسبب عقلية قيادة «داعش» في الخارج…
شروط التفاوض
وفي هذا السياق كشفت مصادر مطلعة، انه اضافة الى ما أعلنه السيد نصرالله من شروط لاستسلام مقاتلي «داعش»، فان الكشف عن مصير عنصرين من حزب الله، وضابط إيراني انقطعت اخباره في البادية السورية، ضمن بنود اي اتفاق… في المقابل يطالب أمير «داعش» المدعو ابو السوس بضمانة حزب الله لإخراج نحو مئة وخمسين مسلحاً مع عائلاتهم الى مدينة الميادين السورية، ووفقا للمعطيات المتوافرة لدى القيادات الميدانية يوجد بين هؤلاء نحو خمسين انتحارياً، فيما يبقى الرقم المعروض من قبل المسلحين مشكوك به… وفي سياق تأكيده على تكامل دور المقاومة والمؤسسة العسكرية، أشاد السيد نصرالله بدور الجيش اللبناني الذي قام بعمل دقيق ومحترف وحقق الانجاز الكبير بكفاءة عالية وأقل كلفة بشرية مشيرا الى ان مساحة الأرض اللبنانية المحررة من «داعش» 120 كلم مربعاً أنجز منها الجيش اللبناني 100 كلم مربع وكشف ان المقاومة حررت 20 كلم ، لكن لم يفصح عنه، ان غارات الطيران السوري لم تميز في بداية المعركة بين مواقع «داعش» داخل الاراضي السورية عن تلك المنتشرة فوق الاراضي اللبنانية، حيث مهد الطيران السوري لبدء الهجوم بسلسلة غارات على تحصينات التنظيم الارهابي على جانبي الحدود، وهذا ما دفع رئيس الحكومة سعد الحريري الى ابداء «انزعاجه» لتجاوز الطيران السوري للحدود اللبنانية، لكنه تلقى اجابة «حاسمة» من شخصية غير مدنية، أكدت له ان هذه الحدود غير مرسمة بشكل دقيق…!.
«ازدواجية» اميركية
وإذا كان السيد نصرالله قد كشف ان السفارة الاميركية هددت وسائل الاعلام اللبنانية ابان معركة جرود عرسال ان لا تستمر التغطية بهذا الشكل والتعاطف ، مؤكدا ان الإدارة الأميركية يزعجها أن تبدو المقاومة في لبنان بمشهد القوي الذي يسحق الجماعات التكفيرية، وأشار الى ان الاميركيين وبعض الجهات اللبنانية اتصلت ببعض الوسائل الاعلامية ان لا تأتي على ذكر الجبهة داخل حدود سوريا ، مؤكدا ان بعض وسائل الاعلام التي خضعت للضغوط تفقد مصداقيتها، فإن معلومات موثوقة أكدت أن قائد القيادة المركزية الاميركية جوزيف فوتيل يتابع بنفسه مجريات المعركة في الجرود، وهو مهتم بنجاح الجيش في المواجهة لان هذا الامر يعزز وجهة نظره في واشنطن لاستمرار تقديم المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، وهو كان حريصاً للغاية منذ اليوم الاول لبدء المواجهات عدم خروج اي «اقرار» علني بوجود تنسيق ميداني على الارض، مع العلم ان ما أعلنه السيد نصرالله عن تحرير المقاومة لنحو 20 بالمئة من الاراضي اللبنانية أمر يدركه الاميركيون جيدا من خلال «المراقبين» العسكريين الاميركيين الموجودين في بيروت، وورد في تقاريرهم «المقلقة» ما يفيد بان مقاتلي حزب الله قدموا اداء عسكريا محترفا، ونجحوا دون «ضجيج» في عملية التنسيق غير المباشر بين الجيشين السوري واللبناني، من خلال «دوزنة» السير بالجبهتين تصاعديا دون الوصول الى حدود التكامل العسكري على الارض، ومع ذلك لم يحصل اي تقدم ميداني دون تخطيط مسبق ما جعل مسلحي «داعش» بين «فكي كماشة» وهو أمر أفقد التنظيم القدرة على القيام بأي مناورة عسكرية.
جهوزية الجيش
ووفقا لأوساط ميدانية، فان الجيش اللبناني في وضعية قتالية مريحة للغاية، ويستعد لإطلاق المرحلة الرابعة والأخيرة من العمليات العسكرية، وفقا لتكتيكات عسكرية جديدة و”خلاقة”، للدخول الى آخر مواقع «داعش» في وادي مرطبيا، لكن التريث فرضته التطورات العسكرية في الجانب الاخر من الحدود، حيث تضيق المقاومة الخناق على من تبقى من مجموعات «داعش» في سلسلة جبال حليمة قارة، وإذا ما فشل التفاوض، وتمكنت المقاومة والجيش السوري من الدخول الى تلك المنطقة، تصبح ما تبقى من المناطق اللبنانية ساقطة عسكريا، وتصبح عملية الجيش الاخيرة محسومة وبأقل الخسائر الممكنة.
وفي سياق التحضير للعملية اعلن الجيش بالأمس استهداف مراكز التنظيم في وادي مرطبيا ومحيطها بالمدفعية الثقيلة والطائرات ما ادى الى تدمير الاماكن المستهدفة وسقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف المسلحين… فيما باتت المقاومة والجيش السوري يشرفان على حليمة قارة من ثلاث جهات، بعد تحرير عدد من المعابر الحدودية المهمة بين سوريا ولبنان بالامس، أهمها معبر الشاحوط الذي يربط جرود قارة بجرود عرسال، كذلك تحرير مرتفعات وادي المغارة الكبير والصغير، وقد تم تحرير 45 كيلومترا مربعا خلال الـ24 ساعة الماضية… وبات عناصر «داعش» موجودين في مساحة ضيقة في حليمة قارة والقريص ومعبر مرطبيا…
تحولات سعودية
تأكيد السيد نصرالله ان «التحرير الثاني» بات مسألة وقت ليس إلا، أمر تسلم به دوائر دبلوماسية في بيروت، وهي ترى ان كل الأطراف الداخلية والخارجية بدأت في تحضير الارضية للتعامل مع المرحلة اللاحقة، وإذا كان محور المقاومة يقف على «ارض صلبة»، فان الفريق اللبناني في المحور الاخر مصاب بارتباك شديد نتيجة الموقف الاميركي «الرمادي» والملتبس حيال واقع معركة الجرود، وكذلك حيال التحولات السعودية المرتقبة في ظل الحديث المتقدم عن تقارب محتمل مع ايران، وقد جاءت زيارة وزير الدولة لشؤون الخليج (الفارسي) في وزارة الخارجية السعودية ثامر السبهان الى بيروت لتزيد الغموض حول هذا الملف، خصوصا انه قدم اجابات ملتبسة حيال هذا الامر لرئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع. ومع تأكيد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أن الدبلوماسيين الإيرانيين والسعوديين سيزورون الرياض وطهران بعد انتهاء موسم الحج، وقيام روسيا بلعب دور الدولة الراعية للتقارب بين البلدين، تعتقد الاوساط الدبلوماسية نفسها، ان للسعودية مصلحة كبيرة للتقارب مع ايران في هذه المرحلة لأسباب عديدة اهمها تمرير خطة توريث وليّ العهد محمد بن سلمان، وهذا يقتضي تخفيض بؤر التوتر الداخلية والخارجية… وما يقلق الطرف اللبناني موقف السعودية في سوريا في ظل المعطيات التي تشير الى استعداد الرياض للقبول باستمرار الرئيس بشار الأسد في السلطة…
وفي هذا السياق، سمع رئيس الحكومة كلاماً واضحاً من أوساط دبلوماسية غربية في بيروت، يفيد بأن الحرب الأهلية في سوريا توشك على الانتهاء، مع الاقرار بأن تحالف الأسد، حزب الله، إيران وروسيا هو الطرف المنتصر… لكن المشكلة أن الولايات المتحدة وبضغط من «اسرائيل» لم تعد اولويتها حزب الله في لبنان، بل باتت تقبل في الوقت الراهن بطلب «متواضع» يمنع فقط تكريس ظاهرة «حزب الله 2” في هضبة الجولان، لكن المشكلة ان قدرة واشنطن على التأثير في سوريا محدودة، وبعد القضاء على «داعش» ستترك الولايات المتحدة سوريا منطقة نفوذ روسية… ووفقا للمعلومات فان رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو اخفق في إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بطرد إيران وحزب الله من سوريا، وهذا الامر يفسر ما قصده السيد نصرالله بقوله بان للمقاومة الكثير من المهام المقبلة وتريد الانتهاء سريعا من معركة الجرود، وهذا ما يفسر ايضا حالة الارباك وعدم التوازن في مواقف رئيس الحكومة الذي خفض من وتيرة التصعيد مع حزب الله، ويحاول في هذه المدة «الرمادية» التراجع خطوة الى «الوراء» تحسباً لنجاح التسوية الايرانية – السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى