اخر الأخبار

الإستعمار الفكري

الشیخ الدكتور سعد الغري
كثيرا ما نسمع بمصطلح الاستعمار وتنصرف أذهاننا الى دول غازية تأتي وتحتل بلداً آخر بقوة السلاح وتكبده خسائر مادية كبيرة، لغرض الاستفادة منه اقتصاديا وسياسيا وغيرها.وهذا المعنى المتبادر ما نجده في الموسوعات والكتب التي تتضمن شرح المصطلحات السياسية. وهذا المعنى يرجع تاريخه الى عهد الدولة الفينقية، وإن كان العمل به جاء في القرن الخامس عشر.وحينما نتأمل في المصطلح نجده يشير الى انواع متعددة من الاحتلال، مع مراعاة وحدة المناط وهي (الاحتلال والاستعمار) فإن ما ذكرناه قبل قليل هي واحدة منها ، واما المعاني الأخرى فلإندكاكنا بها وتعايشها معنا لا نستطيع أن نميزها,فمرة ياتي المستعمر بالمباشرة فيأتي بنفسه وبقواته واسلحته ويضع افراده في معرض الخطر، وقد يقلب عليه الرأي العام، وهذا النوع من الاستعمار من اجل تحصيل مصالحه التي يطلبها والتي غالبا ما تكون مادية ووهمية (النفوذ والشهرة). ان الحرب والاستعمار بهذا المعنى قد تكون لها كوارث مالية وبدنية على البلد المحتل على أكثر التقديرات، ولكنه يبقى وينظر الى المُحتَل على أنه عدوه وينشئ جيلاً يدافع عن البلد ويقدم التضحيات في سبيل ذلك,ومرة أخرى بتدريب عناصر فيهيىء جيشاً ليس من نفس ابناء البلد وهو ما يطلق عليه مرتزقة، ويهجم على البلد المراد استعماره، وغالبا ما تكون وراءه اهداف سياسية خطيرة,واخرى يجلب افراداً من نفس البلد المستعمر ويهيئهم كمعارضة للبلد المراد استعماره وتقوم بنفس العمل الذي يقوم به، فيحصن سمعته ويبين للآخرين أنه جاء لينصر المظلومين من ابناء البلد، وأن هذا الأمر هو اختيار مطلق لأهل البلد ليس لهم أي تدخل فيه,وهذه الطرق المختلفة قد توصل الى النتيجة بسرعة ولكن فيها سلبيات كثيرة واحدة منها عدم دوامها، كما تأتي سريعا تذهب سريعا، فإن القتل يعوض عن طريق الأجيال الأخرى، وكثيرا ما استعمرت الدول وحررت ورجعت الى وضعها الطبيعي مع عداء ضغين تحمله الأجيال على الدول الغازية المستعمرة، كما أن الاقتصاد يعوض أسرع من القتل، وحينما تتكبد القوى المحتلة خسائر مادية وجسدية فإنه يمكن ان تؤخذ المادية من البلد أما الجسدية فقد تؤدي الى قلب الرأي العام ضدها وتظهر معارضة لها وهي غنية عن ذلك كله,وهناك هيمنة واحتلال أخطر بكثير من الذي ذكرناه، وهو ما يسمى بالهيمنة والاستعمار والاحتلال الفكري بوسائل وآليات مختلفة ، يمكن ان تأتي بالفوائد التي تحصل من الطرق السابقة، وليس فيها أي مخاطر على أرواح جيشهم وتكاليفهم المادية أقل بكثير من الطرق الأولى,ان الاستغلال الاقتصادي والعسكري السياسي خطره للدول المستعمرة أقل خطورة، بل لا تقاس خطورتها نسبة إلى الاستعمار الفكري والذي يريد أن ينشر مجموعة أفكار ويطرحها، وبالتالي ينشئ مجتمعاً مبنياً أساسه على هذه الأفكار والمعتقدات ويتغير تبعا لها، لذلك يعد الاستعمار الفكري من أخطر أنواع الاستعمار على وجه الأرض، فهي تقوم برسم مخططات واستراتيجيات تثمر بالنهاية وتأتي تؤلف مجموعة أفكار بصياغات وصور متنوعة ثم تنشرها عبر آليات ووسائل مختلفة، وهي ما تسمى حاليا بالقوة الناعمة (Soft power) أو بالحرب الناعمة (soft war)، والتي سارت على وفقها القوى الكبرى لتسيير وضعها السياسي، والهيمنة الفكرية أو ما يسمى بالقوى الناعمة على عدة صور، منها:
الإعلام
الذي يمكن تقسيمه الى المرئيات والمسموعات والكتابات، والمرئيات من خلال الافلام والمسلسلات والمقاطع المختلفة، والمسموعات من خلال الأغاني والموسيقا، وتتلون بألوان مختلفة عبر الشبكات العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الدردشة، الالعاب الالكترونية، والكتابات عن طريق المقالات أو المغالطات التي تكتب في مواقع التواصل ويتنقلها الشباب كنص معصوم فيرسم خريطة حياته وفقها.
السينما
لها الحصة الكبرى ضمن الوسائل والآليات، فحينما يراد نشر افكار معينة وتمييع خلق ما لايخدم مصالح الاستعمار؛ تزرق الأفكار المضادة لهذه الافكار والاخلاق على مستوى بسيط في فلم معين؛ ثم يلاحظ رد الفعل تجاه هذا الفايروس الفكري، وبعدها يكرر الحقن بطريقة أخرى، حتى تعتادها الأجيال؛ جيل بعد جيل فتحصل قناعة تامة للجيل الأخير، فيعتقد بضرورتها وبكونها جزءا لا يمكن تفكيكه من منظومته الفكرية ومن المجتمع الذي يعيش فيه,وهذا ما تجسده حاليا الشركات السينمائية الكبرى.
التعليم
هذه الآلية يقع ضحيتها المجتمع بصورة عامة، فإن لكل بلد هناك منهجاً تعليمياً من المفترض أن يحوي على الأسس الإنسانية العامة، والخصائص الاخلاقية والاجتماعية الموجودة فيه، مع اعطاء العقل حريته الفطرية المقننة,فمفتاح المستعمر المنهج، فيدخل في المنهج ما يريده وما هو مخطط له، ولو بعد سنوات، فيظهر جيل جديد محمل بمناهج معرفية مغلوطة لا تمت للواقع بصلة، وتنظر للواقع من كوة واحدة تختلف باختلاف المستعمر وغاياته، ومن ثم ينشأ جيل يحمل هذه الأفكار ويدافع عنها.
فخلاصة القول:هناك استعمار واحتلال فكري يهدف الى تغيير المنظومة الفكرية الى حسب ما يريد المستعمر للحصول على مصالحه كافة من دون تكبده عناء الحضور ولا إراقة أي قطرة دم من أبناء وطنه,ويستخدم آليات متنوعة، قديمة وحديثة، اما القديمة فهي: أن يأتي بنفسه مع قواه العسكرية واسلحته المتطورة، أو انتخاب عملاء وتنظيمهم لهكذا عمل,وأما الطرق الحديثة، فهي عن طريق استخدام الاعلام، او استخدام التعليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى