الولاية وأقسامها


إنّ النظام السلوكيّ الاجتماعيّ أو ما يعرف بآداب لسلوك في أي مجتمع ركيزة من الركائز الأساس التي يتكامل أو يتسافل من خلالها المجتمع؛وهذا المجتمع بحاجة إلى قائد يقوده ويقوم ما اعوج من أموره، وهذا القائد لا بد أن ينوب عمن وضعه الله جلّ وعلا بعد نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم الأئمة(عليهم السلام) وضرورة نيابته متأتية من حاجة الناس الى قائد في عصر غيبة الإمام(عجل الله فرجه) لا فقيه يقول لهم هذا حلال وهذا حرام فقط ولا رئيس يقود البلد بمعزل عن الدين وأحكامه بل قائد يجمع الأمور الدينية مع باقي الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. الخ. وهذا واضح من خلال كلام الأئمة (عليهم السلام) إذ يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في بيان عظمة حق الإمام:» «وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية»،بعد هذه المقدمة التي كان لا بدّ منها رغم قصرها توضيحاً لمقام الولي الفقيه سنتناول هنا أمراً متعلقاً كل التعلق بالولي الفقيه وهو الولاية وهي على نوعين:
الولاية التكوينية
ونعني بها: حق الطاعة في مجال التكوين، وتسخير الأشياء والموجودات، لإرادة صاحب هذه الولاية يتمكن بسببها من التصرف في الموجودات الخارجية، دون أن يعني هذا الكلام أن تناقضاً سيقع مع مبدأ العلية الجاري في الكون، أو مبدأ التوحيد الذي ينص على أن كل شيء في الكون معلول لإرادة الله تعالى، لأن مبدأ العلية في الكون لا ينحصر بالأسباب الطبيعية الحسية، بل هناك من الأسباب الغيبية ما يفوق الأسباب الحسية، لكن لم ولن يطلع عليها إلا ذو حظ عظيم، كما أن مبدأ التوحيد لا يتنافى مع إذن الله تعالى لبعض عباده بالتصرف في الموجودات تصرفا لم تألفه الحواس ولا ينكره العقل.
ولذا نجد القرآن الكريم عندما ينسب إلى أحد أنبيائه وأوليائه قدرة تكوينية ما فإنه غالباً ما ينبه على أن هذا بإذن الله تعالى لئلا يبتلى المرء بالشرك كما ابتلي بذلك قوم من أهل الكتاب عندما رأوا القدرات الهائلة عند نبي الله عيسى (عليه السلام).
فتأمل في هذا التكرار في كلمة بإذن اللّه وهذا يدل على أنه ليس هناك إذن واحد عام سابق يشبه التوكيل والتفويض بل هو في كل حركة من حركاته يطلب إذن الله تعالى وفي الحقيقة فإنه لا يمكن أن يكون هناك إذن سابق يصير بموجبه المأذون قادراً على الإستقلال بالتصرف مستغنياً عن أي إذنٍ لاحق.إن هذا المعنى غير متعقل في علاقة الله تعالى بعباده،لأنهم الفقراء إليه وحقيقتهم الفقر،ومن كان هذه حقيقته،لا يمكن أن يستقل عن ربه ولو للحظة،لأن من مقتضيات الفقر الاحتياج المستمر لفيض الله تعالى حتى يستمر الفقير في وجوده وفي تأثيره،فالحاجة للإذن مقوم لوجودنا شعرنا بذلك أم لم نشعر.
ونحن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) نعتقد أن الله تعالى قد أكرم أنبياءه وأوصياء الأنبياء ومنهم أئمتنا (عليهم السلام) بكرامة الولاية التكوينية بمراتبها السامية المناسبة لمقام المخلوقين المربوبين وبإذن الله تعالى،وإن كنا غير قادرين على رسم حدودها,وكما إننا نعتقد أن هذه الكرامة لا تعطى بغير سبب وحكمة وكفاءة، بل يرتبط فيضها على العبد بمقدار قرب العبد من الله تعالى،ولذا نجد بعض هذه الكرامة عند الأولياء من غير الأئمة والأنبياء (عليهم السلام)،فليس بمقدور كل أحدٍ أن يتصرف،وليس بمقدور كل شخص أن ينال إذن الله تعالى،بل هذا من مختصات النفوس القدسية والأرواح الربانية التي سمت وحلقت في أجواء القدس والنور،وسبحت في جوهر التوحيد،وتجلت فيها حقيقة العبودية بمقدار ما تثبت هذه الصفة بمقدار ما يفاض على الإنسان من كرم الله تعالى.
الولاية التشريعية وهي قسمان:
• حق التشريع:فقد تطلق الولاية التشريعية ويراد بها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أي نبي ممن سبقوه(عليهم السلام) أو الإمام (عليه السلام) يملكون حق التشريع،والمقصود أنهم يملكون وحدهم (القدرة على بيان الحكم الشرعي الواقعي الذي يريده الله تعالى والمعرفة الصحيحة لأحكام الله).
• حق الأمر والنهي:وتطلق الولاية التشريعية،ويراد بها أن للولي أن يأمر وينهى،وعلى الآخرين أن يطيعوه ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه.
معنى ولاية الفقيه
والمقصود بولاية الفقيه هنا هي الولاية التشريعية التي نعني بها،حق الأمر وحق الطاعة،وأما سائر أقسام الولاية فلا علاقة لها بولاية الفقيه,وأما الولاية التشريعية بالمعنى الأول فهي ليست للفقيه ولم يقل أحد بثبوتها له،بل هو كغيره من المكلفين لا يستغني عن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لمعرفة أحكام الله تعالى،ولذا تجده يُتعب نفسه بالبحث والاجتهاد في الأدلة لاستنباط الأحكام الشرعية ولكن هذا لا ينفي أن الولي الفقيه يشغل منصب الإمام المعصوم مع التأكيد على أنه يشغل منصب الإمام لا مكانته ومنزلته.
يقول الامام الخميني (قدس سره):»فللفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة(عليهم السلام) مما يرجع الى الحكومة والسياسة ولا يعقل الفرق،لان الوالي اي شخص كان ـ هو مجري احكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والآخذ للخراج وسائر الماليات والمتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين..ويقول(رحمه الله) كذلك في موضع آخر:ثم ان المستحصل من جميع ما ذكرناه ان للفقيه جميع ما للإمام(عليه السلام)إلا اذا قام الدليل على ان الثابت له(عليه السلام) ليس من جهة ولايته وسلطنته بل لجهات شخصية تشريفاً له،أو دلّ الدليل على أن الشيء الفلاني وإن كان من شؤون الحكومة والسلطنة لكن يختص بالإمام(عليه السلام) ولا يتعدى منه.وكلام الامام(قدس سره) هذا الذي ينبئ عن رؤيته الشامخة فيما يخص ولاية الفقيه التي طبقها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية و ما زال الإمام الخامنئي(دام ظله) على الخط بعده.



