اخر الأخبار

التسرّع، ماهيته، آثاره وطرق معالجته

1287

المسارعة والتّسرّع كلمتان متضادّتان في معناهما الأخلاقيّ، وإن كانتا من أصل واحد. فالمسارع هو الذي يتحرّك بنشاط وقوّة نحو هدفٍ محقّق ونتيجة واضحة. أمّا التسرّع فإنّه يريد تحقيق الأمر قبل أوانه، أو دون أن يعلم أوانه، ويتثبّت من حصوله.المسارع عاقلٌ، لأنّه يدرك المقدّمات الموصلة ويلتزم بها دون توانٍ أو تكاسل. أمّا المتسرّع فهو شخصٌ لا يعطي للمقدّمات والأسباب العقلائيّة أيّة قيمة أو اهتمام، تراه يندفع بدافع الوصول إلى مشتهى النّفس. لهذا، فهو عبد الشّهوة، والشّهوة تقوده. وهو مع ذلك كثير الخطأ، كثير الندّامة، لأنّه يخالف سنّة الله في الأخذ بالأسباب اللازمة من إعداد العدّة وإنضاج الثّمرة,فإنّ من أدرك الكمال المطلق والخير المطلق عند ربّه، فإنّ فطرته السّليمة ستبعث فيه حالة من الاستعجال والشّوق الشّديد للوصول إلى الغاية والنّتائج. وحيث إنّ النّتائج عظيمة للغاية وفوق قدرته وفوق طاقته ونفسه، فمن الطّبيعيّ أن يتغلّب حضور هذه النّتيجة على الصّبر أو ما يُعبّر عنه بالتّؤدة، حتّى أنّه يغلب الطمأنينة، ويتسبّب باضطرابٍ شديد، فيبعث النّفس حتّى تخرج من هذا الاضطراب والفوران أن تسرع..فعلى هذا الأساس نقول إنّ المسارعة التي هي ناشئة من العجلة إلى الله هي الثّمرة الطّيّبة للعجالة الإيجابيّة..وإنّما نقول مسارعة ولا نقول تسرّع، لسببٍ بسيط، وهو أنّ الله سبحانه وتعالى يهدي هذا الإنسان، ويأخذ بيده من أن يحرق المراحل ويدوس على المقدّمات اللازمة. وكيف لا يكون كذلك، من كان الله هاديه ومعشوقه الذي يحبّ لقاءه,إن النفس المتحلِّية بالثبات والاستقامة لا تنهار في مواجهة المصاعب الروحية، بل تثبت في الشدائد دون أن تسمح لها بأن تسلب منها شيئاً من الطمأنينة والاستقامة، ولا يخفى أن التحلِّي بهذه الروحيّة في التعامل الاجتماعي هو من أهم المهمات وأصعبها في الوقت نفسه، وعلى أي حال فإن من ثمار التحلّي بالثبات والاستقامة ثبات الإنسان وعدم فراره عند اشتداد المعارك، وتحمّل صعابها، وعدم التهاون في الذب عن النواميس الإلهية، مثلما أنه يستقيم ويثبت في مواجهة الصعاب الروحية فلا يفقد الطمأنينة والاستقامة النفسية.
منشأ التسرّع
إنّ أوّل ما يلاحظ في الشّخصيّة المتسرّعة هو كثرة وقوعها في الأخطاء التّي تؤدّي إلى الضّرر ـ سواء على مستوى النّفس أم الغير. ولو فرضنا شخصا متسرّعا، لكنّه لا يقع في الخسائر، فهو في الواقع سريع وليس متسرّعًا. ويعد الخوف على المآرب الدنيوية الفانية والحرص على اللذات والشهوات من أهم الأسباب التي توقع الإنسان في التسرّع.
بعض آثار التسرّع
• الإضطراب وعدم الثّبات:عندما تترسّخ هذه الحالة في النّفس ينشأ منها اضطرابٌ وهيجانٌ دائم، ويُسلب صاحبها حالة الطّمأنينة والثّبات، فيعيش في الدّنيا عيش الأشقياء، وينتقل إلى ذاك العالم صفر اليدين، حيث فقد فرصته الوحيدة لمعرفة الله تعالى التي تحصل من حالة السّلام مع موجودات العالم.
• الانحراف عن جادّة الحقّ:إنّ أشدّ ما يحتاجه المجاهد في ساحتي الجّهاد الأصغر والأكبر هو الثّبات، وعندما يفقد المجاهد هذه الحالة، فإنّ عدوّه سيتمكّن منه بسهولة. ولهذا، عدّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التسرّع من سلاح الشّياطين، لأنّ المواجهة في ساحة الجّهاد هي في الحقيقة والباطن مع الشّياطين، وليس للشّيطان من أسلحة أمضى وأشدّ من النّفس الأمّارة والضّعيفة والجاهلة.
• حبّ الدّنيا:ولا يحتاج الإنسان إلى قوّة الإيمان لكي لا يكون عجولًا، فإنّ التّجارب التي ينتفع منها العقلاء تفيد بأنّ المتسرّع سيُبتلى بأنواع الخسائر والأضرار. لكن ههنا نكتة مهمّة، وهي أنّ غير المؤمن لا بدّ له أن يقع في العجالة والتسرّع، لأنّ غير المؤمن الذي فقد معنى الآخرة لا بدّ وأن يصبح دنيويًّا. ومن أحبّ الدّنيا وتعلّق بها لا يمكن أن يرى حياتها وفرصها إلّا فوات المطالب والمآرب، فهي هكذا فعلًا. ومن جانبٍ آخر لن يستطيع مثل هذا الشّخص أن يتخلّى عن هذه المآرب، لأنّها المعنى الوحيد الذي يتبقّى له من الحياة، فمهما بلغت حكمة الحكيم الدّنيويّ، فإنّه سيقع في العجالة يومًا ما. فإذا علمنا أسباب التسرّع ومخاطره، فإنّنا ندرك لماذا عدّ الإمام أنّ معرفة الله تعالى وتوحيده هي الّتي تؤدّي إلى زوال هذه الملكة القبيحة,وعلى أيّ حال، فإنّ من ثمار التحلّي بالثبات والاستقامة ثبات الإنسان وعدم فراره عند اشتداد المعارك، وتحمّل صعابها، وعدم التهاون في الذبّ عن النواميس الإلهية، مثلما أنّه يستقيم ويثبت في مواجهة الصعاب الروحيّة، فلا يفقد الطمأنينة والاستقامة النفسيّة,فإنّ ملكة الثّبات والاستقامة هي التي تجعل الإنسان ثابتًا كالسدِّ المنيع في مواجهة مختلف أشكال صعاب الدّهر والضّغوط الرّوحيّة والجسميّة، فلا ينحرف ولا ينهار ولا يتهاون، وهي التي تحفظ ـ بطمأنينة النفس وسكون الرّوح ـ قوّة الإيمان بيسر وسهولة، وتحمي الإنسان حتّى النّفس الأخير في مجابهة عواصف ابتلاءات هذا العالم العاتية، وهي التي تمنع أخلاق الغرباء والمنافقين وملكاتهم من النّفوذ إلى روحه، وتحفظه من أن يكون لعبةً في أيدٍ تسوقه حيثما شاءت، وتجعله ـ باستقامة نفسه وطمأنينتها ـ وحدهُ أمّةً واحدة ثابتًا شامخًا كجبلٍ من حديد، حتى إذا أغرقت سيول الانحرافات الأخلاقيّة النّاس جميعًا، لم يستوحش من ثباته لوحده في مجابهة الجميع,إنّ الإنسان يستطيع القيام بجميع الواجبات الفرديّة والاجتماعيّة، فلا ينحرف ولا يسقط في المعاصي، في أيّة مرحلة من مراحل حياته المادّيّة والرّوحيّة، وذلك ببركة التحلّي بهذه القوّة الرّوحانيّة العظيمة، أي ملكة الاستقامة والطّمأنينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى