تحررت الموصل … فهل لنا ان نتحرر ؟!


محمود الهاشمي
ان اصدق الانتصارات العسكرية هي تلك التي تعقبها انتصارات مدنية ، وإلا ستفّرغ شحنة النصر عبر مجموعة من المناكفات والصراعات الداخلية وتتحول الى خسارتين ، الاولى خسائر المعارك التي خضناها مع عدونا من شهداء وجرحى ومعاقين وأرامل ويتامى ، وما لحق بالدولة من خسائر مادية واقتصادية وتوقف لعجلة التنمية , ناهيك ما لحق بالمجتمع من أذى نفسي وتأثيرات اجتماعية وغيرها والخسارة الأكبر اننا لم نستثمر روح النصر لنذهب الى حيث اعادة انتاج الانسان وصناعة وطن بمستوى النصر الذي تحقق !! تقسم نتائج الحروب والمعارك الى ثلاث نتائج ، فإما ان تخرج مهزوما أو متوازنا أو منتصرا ، ولكل نتيجة معنى وتأثير على مرحلة ما بعد الحرب . فالأمة الخاسرة عليها ان تضاعف من جهدها كثيرا ، كي ترمم إنسانها الذي يشعر بالإحباط والهزيمة ، وتثير به روح العزيمة والثقة بالنفس كي يتقبّل الهزيمة ثم لينطلق للثأر لنفسه ولأمته كما حدث في الحرب على اليابان خلال الحرب العالمية الثانية ، حيث خسرت اليابان الحرب ، ووقّعت على ورقة بيضاء ، ملأتها الولايات المتحدة كيف ما تشاء ، ورضيت اليابان بمرارة قاعدتين أمريكيتين فيما محقت القنابل الذرية مدينتين كبيرتين لها ، وبدلا ان يبكوا ويلطموا وجوههم هرعوا لإعادة أعمار بلدهم ، وأذهلوا عدوهم ، حيث توقفت الماكنة العسكرية وبدأت الماكنة المدنية لتكون اليابان بمشروعها الحضاري الكبير المعروف لدى الجميع !! اما المعارك المتوازنة النتائج فهي اقل تأثيرا على الدول التي خاضتها ، فمنهم من خرج وهرع البناء والأعمار ، ومنهم من تركت الحرب عليه آثارها ولم يستطع ان يقاوم التحديات فغرق في تخلفه !! في الوقت نفسه فان أفضل النتائج هي التي تخرج فيها الدول منتصرة على عدوها ، خاصة اذا خاضتها مكرهة للدفاع عن سيادة الوطن وتاريخه أمام الأعداء الغزاة كما هي الحرب بين فيتنام والولايات المتحدة ، حيث استمر العدوان الأميركي ثمانية أعوام على فيتنام فلم تبق لهم شجرة مثمرة ولا بناية شاخصة الّا وهدمها ، وقتل الملايين من الأبرياء في حرب ضروس ، جربت فيها أمريكا كل الأسلحة الممنوعة ، لكن إرادة الشعب الفيتنامي كانت أكبر فانتصر ثم باشر بالبناء والأعمار والخطط المستقبلية ، فكانت مذهلة في إنشاء المصانع والمعامل والبناء الذي يناطح الغيوم ، والشوارع النظيفة الفارهة . فيما تصطرع الان الصين وأمريكا لتقريب فيتنام اليها ، وقد أصبحت رقما مهما في المعادلة الاقتصادية في منطقة المحيط الهادي ، وهي بلد قليل الثروات .. لا شك هناك أمثلة كثيرة لسنا في صدد ذكرها ، والتمعن بتجربتها ، ولكن ما يهمنا هو امر بلدنا العراق ! خرج العراق منتصرا الان وعلى اعتى عدو ،لا قيم ولا اخلاق ولا أصل له ، مهنته القتل والذبح والإرهاب والاعتداء على الأرواح والأموال والأعراض . هذا العدو خلفه دعم دولي بالأفراد والأموال والتدريب والتأهيل والتسليح والنقل والمواصلات والإعلام و…الخ . كانت إرادة العراقيين أقوى حيث انتخوا لوطنهم ولدينهم ولأعراضهم وأموالهم ، فصدّوه اولا ثم سحقوه في معارك قل نظيرها ، يكفي ان الإرهابيين دفعوا ثلاثمائة سيارة مفخخة وخمسمائة انتحاري وأضعافهم من الانغماسيين واتخذوا الأهالي دروعا ، برغم هذا كانت الغلبة لنا ولقواتنا المسلحة من جيش وشرطة ومكافحة ارهاب وفرق ذهبية وحشد مقدس ، ومن خلفهم منابر إعلامية وقوافل مساعدات لا تتوقف ، من زاد وألبسة وماء وذخيرة ، ومعها هلاهل الأمهات وأناشيد الصغار في المدارس ، هذا النصر اجمع العالم على انه نصر للعالم اجمع وهزيمة نكراء لدولة الخرافة ومن وقف معها . نعم نقرّ بأننا خسرنا الاجمل من ابنائنا وشيوخنا وروينا التراب دما طاهرا زكيا ، كما كانت خسائرنا كبيرة في البنى التحتية ومنازل المواطنين ، لكن هذا النصر لا يكفي لوحده ويحتاج الوفاء فيه لكل هذه الخسائر والتضحيات ، عبر تحرير أنفسنا من الأدران التي لحقت بِنَا نتيجة الجهل والاعتقاد بأنها الوسيلة التي ستوصلنا لمشروعنا الديني والثقافي والقيمي والسياسي !! ان جميع الامم التي أنتجت تجربة ناجحة بعد الحروب متعددة القوميات والأديان والهند التي أصبحت ترقص مع العمالقة -كما يصفها الاقتصاديون – ذهبت لإقامة مؤتمر فيها عن الامام علي (ع) ،ووجدت ان حكومة مدينة (لكناو) قد خصصت قديما قطعة ارض للمعابد بتنوع أديانها، وزرت هذه الأماكن العبادية فوجدتها تشترك بالجدران وهم من المسلمين الذين يعبدون الله الى أولئك الذين يعبدون الفأرة !! ولم نجد خلافات فيما بينهم ويحترم احدهما الاخر فالمسلمون مثلا يتجنبون ذبح الأبقار أمام الهندوس لا اكثر..ونذكّر ان تعداد الهند يقارب المليار ونصف المليار وان نفوس العراق لا تشكل قرية من قراهم .. باختصار ، أني وخلال مطالعاتي التي يعرفها أصدقائي عني ،وجدت ان المشاكل الطائفية سياسية بامتياز ،فلنتحرر منها ،ولا نخشى الحوار بها ،اذا وجدناها حقيقة ،ووجدنا أنفسنا غير قادرين على تجاوزها ،فهذه اللعبة كانت سببا لاستعمارنا لقرون ،وجئنا نحن وجعلناها سمة للعملية السياسية (المحاصصة الطائفية) نحن الان امام منعطف كبير في حياة العراقيين ، فبعد سلسلة نكسات ونكبات وتضحيات حقق العراقيون انتصارا مهما ، وهذا الانتصار له استحقاقات على الارض ، أولها ان ننتج عملية سياسية بمستوى هذا النصر ، وأية خطوة آلى الخلف ستفرغ شحنة النصر وتفوت الفرصة علينا ، وبذا سنخذل ارواح الشهداء ونخذل امهاتهم وأبناءهم وإخوانهم ، سنخذل الوطن الذي انتظرنا كثيرا ،وفتح أمامنا كنوزه من ماء ونفط وزرع وموقع وموانئ وكل شيء نافع . سنخذل أنفسنا وهي تراقب يوم النصر الكبير . سنخذل ابطالنا الذين ينتظرون منا الكثير والقادة العسكريين ، واكبر خذلان سيكون لمراجعنا الذين سبق وان بُح صوتهم وهم يطالبوننا ان ننصر وطننا بعملية سياسية ناجحة ، فكيف وقد دعونا للجهاد فانتصرنا .. أمامنا مشروع ان نهرع للبناء والأعمار ، وان نصنع وطنا يليق بِنَا وبتاريخها ، فلسنا فقط مقاتلين بارعين بل أمة تبني وتعمر ، وأول هدية نقدمها لأبنائنا المقاتلين ولأسر الشهداء الذين ذهبوا للقتال , وهم يسكنون بالعشوائيات ان نبني لهم منازل تليق بنصرة وطنهم ، ان نعيد تأهيل المصانع والمعامل المتوقفة ، وان نفكر بالطاقة الكهربائية لأنها هي من تدير عجلة الحياة ، ان نعمل على القضاء على الفساد الاداري والمالي الذي انهك اقتصادنا وأفشل التنمية في بلدنا . أقول لسكنة المناطق الوسطى والجنوب ان لا تنتظروا من هؤلاء الذين انتخبتموهم سابقا نفعا ، فقد أدمنوا أكل المال السحت وليس فيهم من رجاء وان أعجبكم خطابهم ، فحذار من إعادتهم في الانتخابات المقبلة والقريبة !! أقول لسكنة المناطق الغربية ، آن لمثقفيكم من كتاب ومفكرين وأساتذة جامعيين وأدباء ان تقولوا كلمتكم وان لا تتركوا حياتكم رهينة بيد هؤلاء المفسدين فلا رجاء فيهم ، وسيسرقون أموال الإعمار لمدنكم ويفرّون !! عليكم بالذين وقفوا معكم في محنتكم وقاتلوا وضحوا في سوح المعارك فهؤلاء أولى بإدارة مناطقهم ، ومثلما الطائفية أجاعت الجنوب والوسط أجاعتكم اكثر ، ولا تترددوا بالوقوف أمام بقايا الاٍرهاب لأنه عنوانا للدمار والفشل , اياكم والهروب الى الامام كما يريد لنا ولكم اعداء العراق , بالدعوة للأقاليم وسواها , وما من أمة جزّئت إلا وسهّلت لأعدائها ان تهاجمها . لا اطيل عليكم من جهتي فقد باشرت بإدارة مركز ثقافي يُعنى بالتهيئة للمشروع المدني ، ومعي نخبة من المثقفين ، وأقمنا جلستين وسنستمر بالتحشيد لهذا المشروع ، وسوف نواصل الاتصال بكل النخب لتطويره وجعله هدفا لصناعة وطن ، وقد تفاجأت بحجم النجاحات والدعم مما شجعني ان ادعو الجميع لهذا المشروع ، وقد ساعدني تفرغي خلال العامين الماضيين للإطلاع على تجارب الدول التي دخلت الحروب وخرجت لتنتصر في الميادين المدنية.



