ثقافية

«أحلام مؤجلة» قصص واقعية مؤلمة

730

صباح محسن كاظم

يبدو ان ما يمور بواقعنا الحياتيّ اليوميّ من قصص ٍ تشتبك فيها الحقيقة بالفنطازيا، والوهم بالواقع، ويمتزج بها الفرح بالأسى، والمسرة بالألم، والحب يتجه نحو الكراهية، والقرب إلى البعد.. في جدلية متناقضة، تلك التناقضات لها تبريرها الانثروبولوجي والسايكولوجي والدوافع البيئية. فالحروب، والعنف، وارتفاع درجات الحرارة، والمشاكل الاقتصادية وأسباب أخرى تدفع نحو عدم الاستقرار تنعكس بسلوك أبطال تلك القصص في المجموعة القصصية (أحلام مؤجلة ) للدكتورة سفانة داود سلوم، الصادرة عن النور/ بغداد/ 2012 بـ56 صفحة بعناوينها التالية (أحلام مؤجلة، الوهم، دعاة حرية المرأة، عفواً أيها الحب، لمن السعادة، دائرة الحرمان). قصص من واقعنا المأزوم لنساء يبحثن عن الحب المفقود، والزواج، وإحترام الذات الأنثوية، بتطلعاتها، وكرامتها، وحقوقها. أبطال تلك القصص يحلمون بحياة أبهى يعيشون طعم الوجود الإنساني.. لكن النهايات مؤلمة، وكل آمال الحب التي تتخيلها المرأة تُصاب بالإحباط، والقلق، وعدم تحقيق الأمنيات، صور في تلك القصص يجمعها (المفارقة). فمضمون قصة (أحلام مؤجلة) عن «سما» الطالبة بالجامعة المستنصرية/ كلية الآداب/ قسم اللغة الانكليزية، كانت تَبني حلمها بالإقتران مع من اختارها شريكة حياته من الزملاء، وقد اتفقا على ترتيب الخطوبة والزواج والمهاتفة في 8/ 4/ 1984، لأن من اختارها يسكن البصرة بعيدة عنه، ولا يوجد اتصالات حديثة آنذاك. لكنه سِيق إلى جبهة الحرب ولم يتحقق الموعد، ففي يوم موعد المهاتفة ـ المفارقة نفسه يقع أسيراً بالحرب. انتابه الحزن والقلق والمرض. وبعد عام يقع أحد الضباط بالأسر «حسين علوان»، وبدأت العلاقات وتبادل الأسرار بينهما فكل يشكو همه، ليخفف حزنه. في ص 5 ـ 13: (وبدأ هذا الصديق المخلص يخفف من معاناتي وحزني فراح يحدثني عن نفسه، فقال: ان كنت أنت قد تركت حبيبتك، فأنا قد تركت زوجة شابة، لم يمر على زواجي منها سوى سنة، وهي الآن حامل بشهرها الثالث، لقد تزوجتها عن طريق الأهل، وبرغم حبي الكبير لها ورغبتي في إسعادها إلا أنها كانت بعيدة عني بروحها، ولم أشعر يوماً أنها تحبني، بل كانت تحاول أن تحبني، لكنها لم تستطع أبداً. حتى مسألة الإنجاب لم تكن راغبة بها..). لقد هان عليه فراق حبيبته بعد سماع تلك القصة من صديقه الضابط الأسير «حسين علوان». بدأت تتراجع صحته وينتكس، لذلك أوصاني: (وبعد سنتين من الأسر مرض صديقي أدرك أن نهايته أزفت، فطلب أن أبحث عن زوجته في بغداد، في حالة إطلاق سراحي). وبعد سنوات يطلق الأسير ليعود يبحث في بغداد عن زوجة صديقه ليخبرها بموته بالأسر ودفنه. وإذا بطفل يحمل نفس اسمه «عبد الله». ناداه بأن يكلم أمه عن أبيه، وفور مواجهتها ـ المفارقة ـ فاذا بها حبيبته التي أحبها بالجامعة. تصف القاصة د. سفانة حالة الذهول التي حصلت من الطرفين، وكم حاول أن يكون أخاً لها، ولكن في النهاية تزوجها للحفاظ عليها ووفاءً لها ووفاءً لصديقه حتى لا يتركها للضياع بلا زواج.
وسارت بنفس النسق بالبناء السردي في قصصها الأخرى (الوهم) ص 15 ـ 22 القصة التي تناولت أحلام صحفية وكاتبة «سلوى خطاب» بعد تخرجها من كلية الإعلام، والتي شغلت منصبا بمجلة تعالج قضايا المرأة وتدافع عن المرأة، وكانت مواقفها عدائية من الرجل بوضوح في كل ما تكتبه. وتستمر إلى تغيير مواقفها بعد علاقة حب بـ»سرمد»، وتصاب بالخذلان بعد مواقفه التي تغيرت نحوها بسب ترقيتها ومسؤوليتها الاعلامية، وبذات المسارات السردية عالجت د. سفانة داود سلوم قصصها الإجتماعية كما في قصتها (دائرة الحرمان) ص 51 ـ 56، وهي تصور حالة الفاقة والحرمان بالحصار، لحالمة بالأمل والسعادة وتجاوز الأزمة النفسية بعد التخرج من الإعدادية والإلتحاق بكلية الإعلام وخطوبتها من «طه». فهم شركاء بالهم وإعالتهم لأسرهم، فلم يتحقق الحلم بالزواج، فهاجر «طه» ليعمل بشركة، ثم يتزوج من صاحبة تلك الشركة لتحبط وتوأد أحلام حبيبته وخطيبته. فعالجت محنتها بالمضي لتكملة الدكتوراه وتصبح أرفع من طه، لكن ليس شيء يعادل الحب، لا المال ولا أي تحصيل آخر، فالعاطفة الحقيقية تمثل الإحساس بقيمة الوجود. بالطبع، إذا ارتأينا تميز ونجاح الأداء القصصي لا بد من تحقق الاشتراطات في تقنية القصة التي تعتمد التكثيف للأحداث، والرمزية، والضربة الفنية، وجاذبية الإستهلال، والحبكة، والصراع، وتعدد الأصوات، والاسترجاع، والخاتمة، فضلاً عن تنوع السرد، واللغة العالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى