اراء

موضة تشكيل لجان مكافحة الفساد في الدول العربية

4466

د. كاظم ناصر

لا توجد دولة واحدة في العالم لا تحتوي على نسبة من الفساد والفاسدين، إلا أن الفساد وممارسته يعد ظاهرة غريبة جدّا في بعض الدول الديمقراطية الأكثر تطوّرا في العالم ويمكن السيطرة عليه، في حين يشكل ظاهرة مألوفة تمارس على نطاق واسع في دول كثيرة أخرى من ضمنها الدول العربية.
وجود الفساد في الدولة والمجتمع مرتبط بعوامل عدّة أهمّها طبيعة النظام السياسي، الفروق الاقتصادية الهائلة بين المواطنين، تفشّي البطالة، ارتفاع مضطرد في أسعار السلع والعقار لا يتناسب مع دخل معظم أفراد المجتمع، تدنّي الوضع المعيشيّ للفرد، تخلّف المجتمع المدني، تفشّي الأميّة والجهل، غياب الحرّيات، عدم وجود نظام رقابة ومحاسبة فعّال، وعدم تحقيق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. ولمحاربة الفساد عالميا، فقد تم تشكيل منظّمة الشفافيّة الدولية Transparency International كمنظّمة غير حكوميّة مقرّها مدينة برلين الألمانية. إنها تقيّم الفساد الممارس في 170 دولة من دول العالم بطريقتين: الأولى تحدّد بموجبها ترتيب مكانة الدولة بين الدول الأخرى أل 170 المشاركة فتبدأ برقم .. 1 .. للدولة الأقلّ فسادا ورقم .. 170 .. للدولة الأكثر فسادا. والثانية تحدّد نسبة الفساد في كل دولة على أساس ألـ 100 درجة . أي أن الدولة الأقلّ فسادا تحصل على أعلى درجة من مئة، والدولة الأكثر فسادا تحصل على أقلّ درجة . وبناء على هذا التصنيف فإن الدولة التي تحصل على أقل من 50 درجة (50%) تعد فاشلة وتعاني من فساد مستشر، وبحاجة ماسّة إلى إجراءات إصلاحية تحدّ من نسبة الفساد فيها . هذه المنظّمة تصنّف الفساد إلى فساد سياسي وفساد بيروقراطي إداري . الفساد السياسي هو الأكثر خطورة في المجتمع ويتمثّل في استخدام رجل السياسة أو الموظف الكبير لسلطته التي تمنحها له وظيفته الحكومية لتحقيق أهداف شخصيّة غير مشروعة كسرقة المال العام، والرشوة، والمحسوبية، وممارسة الابتزاز والاحتيال ، ومحاباة الأقارب والأصدقاء والمعارف للحصول على مكاسب ومنافع شخصية.
أما الفساد الإداري فيتمثّل في ممارسة وسائل غير قانونية في إنهاء معاملات المواطنين مثل الحصول على مبلغ مالي أو أشياء عينيّة كرشوة، حضور الموظف لعمله متأخرا ومغادرته باكرا، تضييع وقته في المجاملات وتأخره في إنجاز معاملات المواطنين، توظيف الأقارب والأصدقاء في مراكز غير قياديّة، عدم الشفافية في الإعلان عن البيانات الرسمية، حرمان المواطن من حقّه في الوصول إلى المعلومات وحق الشكوى، وعدم حمايته كشاهد أو كمبلّغ عن الممارسات الفاسدة والفاسدين وتجاوزاتهم الإدارية . ألدول ألـ 15 الأقلّ فسادا في العالم حسب أحدث تقرير أصدرته المنظمة في شهر اذار 2017 هي : 1- ألدنمارك 2- نيوزلندا 3- فنلندا 4- ألسويد 5- ألنرويج 6- سويسرا 7- سنغافورة 8- هولندا 9- لوكسيمبورج 10- كندا 11- أستراليا 12- ألمانيا 13- أيسلندا 14- بريطانيا 15 – بلجيكا . ألدول أل، 15 الأكثر فسادا في العالم هي : 1- ألصومال 2- كوريا الشمالية – أفغانستان 4- ألسودان 5- جنوب السودان 6- ليبيا- 7- ألعراق 8- أزبكستان 9- تركمانستان 10- سورية 11- أليمن 12- هايتي 13 – غيانا بيساو 14- غيانا 15 – تشاد . من بين الدول الأكثر فسادا في العالم يوجد 10 دول إسلامية من بينها 6 دول عربية . في الوطن العربي، وبالرغم من الربيع العربي الذي هزّ المنطقة قبل ست سنوات، فإن الفساد أزداد حيث أن 90% من الدول العربية حصلت على درجة أقل من 50% . إن هذا يعني أن الأغلبية الساحقة منها تعاني من فساد كبير في كل أجهزتها، وتعد من أكثر دول العالم فسادا. لقد عينت معظم الدول العربية لجانا لمكافحة الفساد . لكن المضحك في هذا الأمر هو معادلة بسيطة وهي أن حاكما عربيا فاسدا يعيّن لجنة لمحاربة الفساد يرأسها فاسد ومفسد، وجميع أعضائها من الفاسدين والمفسدين ….!! فكيف سيحاربون الفساد وكل واحد منهم غارق في الفساد حتى أذنيه ؟ الفساد لا يحارب بلجنة . إنه يحارب بقوانين صارمة، ومحاكم، وقضاة يحكمون بالعدل والإنصاف . تقارير اللّجنة تثبت أن دول المؤسسات الديمقراطية التي بنت الإنسان، وضمنت حرّيته السياسية والدينية، وعلّمته تعليما حديثا ثقّفه وصقل عقله وممارساته، وأقامت العدالة بين المواطنين، وبنت اقتصادا قويّا يوفر فرص العيش الكريم للجميع هي الأقل فسادا في العالم . في هذه الدول لقد تم إتّهام رؤساء دول، ووزراء، ونواب، وكبار ضباط، وكبار موظفين بالفساد وخيانة الأمانة، فدمّرت تلك الاتهامات مستقبلهم السياسي، وطردوا من مناصبهم، ومثلوا أمام المحاكم كأي مواطن آخر، وصدرت بحقهم الأحكام التي يستحقونها، وسجن بعضهم ، وبرّأ البعض الآخر ! بينما الدول الدكتاتورية الاستبدادية التي تصادر الحرّيات، وتكمّم أفواه المواطنين، وتثير النعرات الطائفيّة والدينيّة ، وتحرم المواطنين من التعليم، وتهمل الصناعة والزراعة ، وتتحكم في بنيتها السياسية والاجتماعية القبلية، والعائلة، والمحسوبية، والرشوة .. كدول العالم العربي… هي من أكثر دول العالم فسادا ! سرقة المال العام التي حدثت في الوطن العربي، وخاصة في دول النفط الخليجية خلال الستين سنة الماضية، لا يوجد لها مثيل في التاريخ الإنساني ! … مئات مليارات الدولارات سرقها الحكام العرب وعوائلهم وكبار موظفي دولهم … من شعوبهم البائسة، ولم نسمع أن واحدا من هؤلاء ألقي القبض عليه وحوكم بتهمة الفساد ! فلماذا شكّلت كل لجان الفساد هذه ؟ الظاهر أنها شكّلت للتغطية على الفساد وليس لمعاقبة الفاسدين ! عندما يسرق المواطن الجائع في الدول النفطية وغيرها شيئا تافه القيمة لإطعام أطفاله يسجن لشهور أو سنين، والحاكم يسرق الدولة ولا يجرؤ أحد على التفوّه بكلمة انتقاد واحدة، والوزير الذي يدخل الوزارة .. حافيا .. لا يملك من حطام الدنيا شيئا، يخرج من الوزارة بعد ستة أشهر أو سنوات قليلة مليونيرا يسكن في بيت فاخر، ويركب سيارات فاخرة، ويصرف بلا حساب، ويموت غنيا هو وأولاده ! فمن أين جاء بكل هذه الأموال ؟ وأين لجان الفساد العربية من هؤلاء ؟ في وطننا كل أساليب الخداع والنصب والاحتيال والسرقة تمارس من القمّة إلى القاعدة . اللصوص الكبار في مأمن ونعيم، واللصوص الصغار تعلّموا المهنة من الكبار. فلا غرابة إذا أن يحارب الفساد بالفاسدين والمفسدين … ! إننا وطن عجائب يجوز فيه ما لا يجوز في غيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى