ثقافية

صخب الإحتفال

غسان عباس محسن

كان عليه ان يسير لمسافات طويلة حتى يصل الى منزله برغم ان التعب قد أخذ منه مأخذا بعد يوم شاق ومضنٍ قضاه في العمل، ومع ان عماد فوجئ بالأعداد الكبيرة من الناس الذين خرجوا ليحتفلوا في ليلة رأس السنة إلا انه وجد نفسه مضطراً للمضي في طريقه ومظاهر الاحتفال الصاخبة ترسم على وجهه علامات الدهشة وكأنه لم يرَ مثيلا لها من قبل فسأل نفسه وهو ينظر إلى بضعة شبان كانوا يرقصون في الشارع. ترى أ يعيش هؤلاء في بلد اخر ام انهم لا يعرفون الظروف التي نمر بها؟ وصار يلعنهم في سره، ذلك انهم كانوا السبب الرئيس في تأخره عن الوصول الى منزله، برغم حاجة والده المريض له. وفيما كان يسير في الشارع على مهله كسمكة مرهقة تسبح بعكس التيار الجارف جعل يشغل نفسه بالنظر إلى الألعاب النارية التي صارت تملأ الأجواء وتحول الليل الذي خيم على سماء مدينته الى نهار. ولعل هذه الألعاب ومظاهر الاحتفالات التي سادت في معظم أنحاء مدينته قد انسته لوهلة والده المريض الذي لم يكن يعرف ان كان احد ما بقربه ليرعاه في تلك الساعة. فخلا بضعة أطفال صغار هم في حقيقة الامر اخوته ممن لم تترك له والدته غيرهم قبل ان ترحل مبكراً عن هذا العالم حزناً وكمداً على احد اخوتها الذي استشهد في احدى المعارك التي وقعت بغرب البلاد. لم يكن لديه شخص ناضج ليعتمد عليه في هذا الامر، فصار يشعر بالقلق ويحث خطاه حتى يصل الى هناك بأسرع وقت ممكن، ولكن كان مما يجعله مطمئنا على والده هو اهتمام بعض جيرانه وعدد من رجل الحي العشوائي الذي يقيم فيه بوالده وتفقدهم الدائم له، لذلك بطئت حركة قدميه من جديد وعاد ليواصل سيره على مهله وهو ينظر باندهاش الى تلك السيارات الحديثة والشباب ممن كانوا في مثل سنه وقد اصطحب كل منهم أسرته للمشاركة في الاحتفالات اما هو فلم يكن يملك غير الحسرات التي كان يطلقها في سره.ايه، ناس تعيش حياتها بالطول والعرض وناس كتب عليها الشقاء! شعر بالخجل بعدما وقف وسط حشد من الاشخاص وهو يرى تأنق الكثير منهم فيما شعر وكأنه بتلك الثياب المهترئة والمتسخة لم يعدو ان يكون إلا تشوها خلقيا في جسد جميل متناسق الأعضاء، فحاول ان يفعل شيئا ما وكأنما توجب عليه ان يعمل على إخفائه نفسه حتى لا يزعج الآخرين حينما ينظرون اليه. ولعله حقد عليهم وعجب كيف ان احداً منهم لم يكن يعبأ بوالده المريض. ولكن، ومما هون من الامر ان الليل كان خير ستار له، فضلا عن وجود أناس بسطاء اخرين وسط ذلك الحشد الذي سرعان ما هجم على احدى الحافلات التي توقفت، وما ان اتخذ له مكان فيها حتى عاد ليتذكر والده من جديد، فغزاه القلق عليه واعتراه الخوف برغم ان الاحتفالات التي كانت قائمة في الشارع والتي أخذت أنماطا فوضوية كانت تشغله عن هذا الامر.بصعوبة باللغة كانت الحافلة تشق طريقها وتنتقل من المناطق الراقية المزدانة بالنشرات الضوئية والمحتفلين الى المناطق البائسة والفقيرة، فكأنها طائرة تنتقل بالتدريج من سماء صافية ذات هواء نقي الى سماء مغبرة ملوثة بالدخان حتى اوصلت عماد اخيراً الى الشارع الذي يقع فيه منزله بذلك الحي العشوائي. فتنفس الصعداء وأسرع نحو منزله حاثا خطاه وهو يرى بان بعض مظاهر الاحتفال صارت تصل الى منطقته وان لم تكن تضاهي ما كان موجودا في المناطق الاخرى، فانشغل بها الغالبية العظمى من ابناء منطقته وكذلك اخوته الصغار شغلتهم هذه الاحتفالات عن والدهم المريض. دخل عماد المنزل وهو يقلب بصره وينادي على أبيه لكنه لم يسمع جوابا على ندائه ، التفت فرآه ملقى على الأرض وهو ينازع الموت. جزع من هذا المنظر وشعر بالصدمة لكنه تمالك نفسه وأخذ يصيح بأعلى صوتهِ عسى ان يسمعه احد ما فيهب لمساعدته، لكن احداً ممن كانوا في الخارج لم يستطع ان يسمعه فقد غرق الجميع في سكرة الاحتفالات وضوضائها، وكأن صخبها قد أصم آذانهم عن سماع اي شيء اخر في هذا العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى