الصداقة وآثارها التربوية
الدين الإسلامي دين عشرةٍ وليس دين عزلةٍ ورهبنةٍ. وهو ينظر إلى الروابط البشريّة نظرة اهتمامٍ وتقديس. وهناك وصايا كثيرة بشأن الصداقة وانتخاب الصديق، لما للصداقة من أثرٍ عميق على حياة الإنسان. فالصديق له أثرٌ بالغ على صديقه فكرياً وعملياً وأخلاقياً، لما طُبع عليه الإنسان من سرعة التأثّر والانفعال بالقرناء والأخلّاء، ما يحفّزه على محاكاتهم والاقتباس منهم. لذا، نرى أن التّجاوب قويّ بين الأصدقاء، وصفاتهم سريعة الانتقال والعدوى فيما بينهم، وهي تارة تنشر مفاهيم الخير والصلاح، وأخرى مفاهيم الشرّ والفساد تبعاً لخصائصهم وطباعهم الكريمة أو الذميمة، وإن كانت عدوى الرذائل أسرع انتقالاً وأكثر شيوعاً من عدوى الفضائل. فالصديق الصالح رائد خيرٍ يهدي إلى الرشد والصلاح، والصديق الفاسد رائد شرٍّ، ويقود إلى الغيّ والفساد. وكم انحرف أشخاصٌ كانوا يُعدّون مثاليين فكراً وسلوكاً، ولكن ما لبثوا أن ضلّوا في متاهة الغواية والفساد لتأثّرهم بالأصدقاء والأخلّاء المنحرفين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «مِن خير حظّ المرء قرين صالح، جالسْ أهل الخير تكن منهم» . لذلك كلّه، أكّد الإسلام على ضرورة إيلاء مسألة اختيار الأصدقاء الجدّية والأهمّيّة المطلوبة لكي لا تصبح الصداقة عامل ضياعٍ وانحراف، فمن الوصايا: «صادقْ أهل الخير والصلاح، وكنْ منهم» . من هنا، يتحتّم على العاقل أن يتحفّظ في اختيار الأصدقاء، ويصطفي منهم من تحلّى بالخلق المرضيّ والسمعة الطيّبة والسلوك الحميد، رُوي أنّ النبيّ سليمان عليه السلام، قال: «لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنّما يُعرف الرجل بأَشكاله وأَقرانه ويُنسب إلى أَصحابه وأَخدانه» . وللأخ الصالح صفاتٌ ينبغي الوقوف عندها ومعرفتها ليجري على أساسها انتخاب الصديق، وأهمّ هذه الصفات:
أ- أن يذكّرك بالله وبالآخرة: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الجلساء خيرٌ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من تذكِّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله» .
ب- أن يعين على صلاح الدين: عن الإمام علي عليه السلام، قال: «إنّما سمّي الرفيق رفيقاً، لأنّه يرفقك على صلاح دينك، فمن أعانك على صلاح دينك فهو الرفيق» .
ج- أن يكون من أهل التقوى: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «اطلبْ مؤاخاة الأتقياء ولو في ظلمات الأرض، وإن أَفنيت عمرك في طلبهم فإنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق على وجه الأرض أَفضل منهم بعد الأنبياء والأولياء، وما أنعم الله على العبد بمثل ما أنعم به من التوفيق بصحبتهم، قال الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ « .
د- أن يكون عاقلاً ولبيباً: عن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: «يا هشام، إيّاك ومخالطة الناس والأنس بهم! إلّا أن تجد منهم عاقلاً مأمونا،ً فأنسْ به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية» . وعن الإمام علي عليه السلام، قال: «عمارة القلوب في معاشرة ذوي العقول» . وعنه عليه السلام، قال: «عليك بمقارنة ذي العقل والدين، فإنّه خير الأصحاب» .
هـ أن يكون ناهياً عن الظلم والعدوان: عن الإمام علي عليه السلام، قال: «الصديق من كان ناهياً عن الظلم والعدوان، معيناً على البرّ والإحسان» .
و- أن لا يقول فيك شرّاً إن غضب منك: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرّات، فلم يقل فيك شراً، فاتّخذه لنفسك صديقاً» .
ز- أن يكون ناصحاً عند رؤية العيب: عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «الصديق الصدوق من نصحك في عيبك وحفظك في غيبك وآثرك على نفسه» .
ح- أن يكون عالماً: عن الإمام علي عليه السلام قال: «لا تصحب إلا عاقلاً تقيّاً، ولا تخالط إلا عالماً زكيّاً، ولا تودِع سرّك إلا مؤمناً وقيّاً» .
ط- أن يكون معيناً على الطاعة: فعن الإمام علي عليه السلام، قال: «المعين على الطاعة خير الأصحاب» .



